|
العدد 1373 الثلثاء 7 ذي الحجة 1430 هـ - 24 نوفمبر 2009
»أوان الوقت«
الكون بوصفه متمرداً «1»
باسمة القصاب
«تاريخ العلم، هو صراع بين وحدة يراد إدخال أكبر عدد ممكن من الظواهر في إطارها، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار''.
طوال التاريخ، كان العقل البشري مشغولاً بمحاولة تفسير الكون وفهمه. المحاولات تدرجت فيما قدمته بين يدي الكون من تفسيرات، ثم راحت في كل مرحلة، تتوقع من الكون أن يتماثل مع ما رسمته، وترفض كل تفسير لا يتوافق مع الصورة التي أقرتها وحددتها للكون. لكن الكون دائماً، كان له موقف آخر:
(1)
في العصور القديمة، حيث الحضارتين البابلية والمصرية، كانت الآلهة، هي المعنية بتفسير الكون عن طريق الكهنة ورجال الدين. لا توجد مسافة بين العلم والدين. العلم هو ما يخدم الدين من حقائق وتفسيرات. وحدهم الكهنة هم أصحاب المعرفة المطلقة في العلم والدين، هم من خولتهم الآلهة لأخذ الناس إلى صراطها المستقيم. الكاهن يقدم تفسيراته الجاهزة، والناس تسأل لا لتفكر، لكن لتعتقد. أن تكون (مستقيماً) يعني أن تعتقد بما يمليه عليك الكهنة، أن تفهم الكون وفق ما ترسمه لك. يستقيم أمر الكهنة مع أكثر الناس.
لكن هل يستقيم الأمر نفسه مع الكون؟ ليس الكون في سلطة أحد ولا تابعاً له. لا يسير الكون باتجاه إثبات معتقد، بل باتجاه إثبات وجود. ينتفض الكون ليعلن حضوره الرافض لإجابات الكهنة وتفسيراتهم. هو لا يحاور استقاماتهم الجاهزة، بل ينحني بظواهره أكثر، يكسر يبوسة الإجابات الجاهزة أكثر، يفضح هشاشتها وجهلها وتناقضها.
سيرفض عقل الإنسان الاستمرار في (مستقيم) رمزي متهالك، وسينتقل إلى مرحلة جديدة.
(2)
مع ظهور الفلسفة في العصر اليوناني، وحتى نهاية القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة، يحاول عقل الإنسان المتشبع بمبادئ فلسفة أرسطو، أن يفسر الظواهر الطبيعية بقياسها على سلوك الإنسان وباقي الكائنات الحية. يصف الكون البعيد والمطلق والمجهول والغامض بما يلمسه من جسد الكائنات القريب والمحدود والمحسوس والحاضر. يقابل بينهما: ما دام لكل عضو حيوي في جسم الإنسان غاية، فكذلك كل ما في الكون يسير وفق غايات يحددها الرب.
يحاول العقل (الغائي) تفسير ظواهر الكون المتعددة والمختلفة بما يعتقده من غايات الرب. يتوه الإنسان في محاولة سبر غايات كل جزء من أجزاء الكون وظواهره وخروقاته. للكون دائماً مهارة أن يربك خطوطك المستقيمة المفترضة. يشاغبها بتشابكاته غير المتوقعة وغير المحسوبة. لا يكف الكون عن أن يريك تعدده في آفاقك الضيقة. أن يعددك في آفاقه الرحبة. تكف (الغاية) عن أن تكون تفسيراً مقنعاً. سيستهزء بها العقل الذي ملّ عجزها عن التفسير. وسينتقل الإنسان إلى مرحلة جديدة وعصر جديد.
(3)
منذ القرن السابع عشر حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. تسيطر الفكرة الميكانيكية على الكون. يُدرك العقل عدم جدوائية أن ينحصر في الماورائيات والغيبيات والغايات. يتجه إلى التفكير المادي. يدخل العالم مرحلة الصناعات الدقيقة والآلات. الكون ليس شيئاً آخر غير آلة ضخمة. الظواهر الطبيعية يجري تفسيرها الآن بقياسها على سير الآلات البسيطة، لا على سلوك الإنسان. الكون (الآلة الضخمة) يُدار بنظام ودقة صارمين. يرى ديكارت أن آلة الكون، لا يتحرك جزء منها إلا تحت تأثير مباشر من قبل جزيء آخر. تسيطر فكرة ميكانيكية الكون. المطلوب فقط هو اكتشاف طريقة عمل الكون، أو قانون الكون.
يكتشف نيوتن الجاذبية الأرضية. يحاول الوصول إلى قانون ثابت يحكم آلة الكون. يضع قوانين الحركة الكونية الثلاثة. يصفق العالم لنيوتن. يعتبره أعظم علماء الكون. يؤكد نيوتن أنه لو عرف مقدار الطاقة والحركة ومواقع الأشياء في العالم، لأمكنه معرفة الماضي والحاضر والمستقبل، لأن آلة الكون تسير في خط مستقيم يبدأ بالماضي وينتهي بالمستقبل مروراً بالحاضر في حركة خطية مطلقة. يعتقد العلم أنه حقق انتصاره الأبدي على الكون، وأنه قد وقع أخيراً على نظام آلة الكون وأمسك قانونها. يفاخر الرياضي الفرنسي (لاغرانج) ''أن للكون قانوناً واحداً، وقد اكتشفه نيوتن''. ويفتخر اللورد كالفن ''لم يعد هناك المزيد لاكتشافه في الفيزياء الآن، ليس هناك إلا المزيد والمزيد من الدقة في القياسات''. تصير قوانين نيوتن هي الخط المستقيم الذي تسير عليه كل من آلة الكون وآلة العلم.
الكون وكعادته المتمردة على كل إطلاق، ينتفض مجدداً. يُفشل القانون (الواحد). يستمر في زلزلة العلوم التي تفرض عليه ما يجب أن يكون. يُخجلها كما أخجل الكهنة من قبل. لا فرق بين علماء الطبيعة والكهنة، ما دام جميعهم يريدون تقييده بقبضات قوانينهم ومعتقداتهم. يتسلل الكون مستنفداً إمكانات هذه العلوم في تفسير الكون. يكشف لها عن حاجتها إلى إعادة النظر في مبادئها. تصير في حاجة إلى ما يصحح اعوجاجها. ستبدأ مرحلة جديدة، وعصر جديد، واختلاط آخر بين فهم الإنسان، وتمرد الكون، وهو ما سنتابعه في المقال المقبل.
رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12131
© 2006 - 2010 صحيفة الوقت، جميع الحقوق محفوظة.
www.alwaqt.com
|