|
|
» أعمدة - فاطمة ناعوت
أعمدة
«بانتظار قوس قزح الذي لا يأتي»
فاطمة ناعوت
«لا أدري على وجه التحديد كمْ من الأعوام مضتْ ونحن في الكهفِ ننتظرُ أن يخلصَنا أحدٌ، أو أن يتوقفَ الطوفانُ حتى نجدَ طريقاً للخروج؟ كنّا في كلِّ صباح ننظرُ إلى الخارج بانتظار قوسِ قزح الذي لم يظهر أبداً».
ظلّت هذه الجملةُ تراود قلبي وذاكرتي منذ بدء قصف غزة. لا أدري لِمَ. بل أدري جيداً لماذا. «كلَّ صباح»، كلما سمعتُ صوت «موتوسيكل» موزّع الجرائد، أركضُ إلى الشرفة، وأنا بين الخوفِ والرجاء. الخوفُ من أن يخطئَنا، ثانيةً، قوسُ قزح، والرجاءُ في أن يفعل، ويأتي أخيراً.
تلك الجملةُ المفتتح من مجموعة «اثنا عشر ذئباً على مائدتي» للأديب البحريني عبدالقادر عقيل. وأما الكهفُ فوطننا العربي الكبير باستثناء «غزّة» المكلومة التي اجتاحها «الطوفان» ولا تني تنزفُ، «خارج الكهف»، على مرأى ومسمع منا، ومن العالمين. وأما «قوس قزح» الذي ننتظر، فلا أدري هل على مجلس الأمن أن يرسمَه لنا؟ أم سترسمُه القممُ العربية الكسول؟ أم علينا، نحن قاطني الكهف المذعورين، أن نرسمَه في السماء بسواعدنا، لكي نستحقَّ شرفَ الحياة؟
لم يتعمد عبدالقادر عقيل في قصته الفانتازية تلك أن يرسمَ منحىً سياسيًّا، أم تراه تعمد؟ أغلبُ الظنّ أنه رسمَ اللوحةَ الأشمل. اللوحة التي تُجسّد محنةَ الإنسان الوجودية فوق هذا الكوكب المرزوء بالخطايا، والخطايا. وضمن هذه اللوحة سيتجلى، من دون شك، الخطُّ السياسيّ، بوصفه الخطَّ الراسمَ المحنةَ الإنسانية الأكثرَ ألماً ووجعاً ونزْفاً.
على أنني، ومنذ بضعة وعشرين يوماً، ظللتُ «في كل صباح أنظرُ إلى الخارج بانتظار قوس قزح، ذاك الذي لم يظهر أبداً» بعد! أظلُّ في نومي أتقلّبُ في قلق، أسمعُ صوت الموتور فأنتفضُ من الفراش، أركضُ إلى الشرفة، أتناولُ حزمةَ الصحف المربوطة، أنزعُ الشريطَ بعصبية، أفضُّ الأكياسَ البلاستيكية عن جسد الأوراقِ، فتتحرر الأوراقُ. أنظرُ بلهفة، وخوف، إلى الصفحات الأولى، بانتظار عبارة واحدة: «وقف العدوان على غزة»! لكنني، كلّ صباح، لا أطالعُ إلا صوراً لجثث منتثرة، وأطفالاً مذعورين تكاد دموعهم تنفرُ من صفحة الورق لتبلل يدي ووجهي! تخورُ قواي وأسقط على مقعد في الشرفة عاجزةً، مثلما كلّنا عاجزون. أفكّر في معاودة النوم، هرباً من الشعور بالذنب. فالنومُ أكبرُ مُخلّصٍ من المسؤولية، وأنجعُ عقارٍ من عذاب الضمير. لكن أقولُ لنفسي أشجعها: ثمة أملٌ في الغد، وإنّ غداً لناظره قريب. تلك حيلةُ العاجز.
؟ «أولمرت: الجيشُ الإسرائيليّ سينسحبُ من غزة سريعاً». «(CNN): أكدّ رئيسُ الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الأحد أن الجيشَ الإسرائيليّ لا ينوي البقاءَ في قطاع غزة، مشيراً إلى أنه سينسحب في أسرع وقت ممكن، داعياً رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إلى استئناف جهود السلام، الذي اعتبر أنه يأتي على رأس ''أولويات'' حكومته». أضحك في مرارة. سلام؟! يا للتبجح! لمَ أحبُّ «قوس قزح» هذا. فهو رديء مثل راسمه!
؟ «حماس تعلن ''تهدئة مؤقتة''. وعشراتُ الجثث تحت أنقاض غزة». «(CNN): أعلنت الفصائل الفلسطينية الأحد موافقتها على ''تهدئة مؤقتة'' في قطاع غزة لمدة أسبوع، مشيرة إلى أنها ستجري تقييماً جديداً للوضع بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من مختلف أنحاء القطاع، في الوقت الذي أعلنت فيه مصادرُ طبية فلسطينية أن فِرَق الإنقاذ انتشلت عشرات الجثث كانت مدفونةً تحت أنقاض المنازل التي دمرها القصف الإسرائيلي». أقولُ لنفسي: تلك الجثثُ خارج الكهف. ونحن، الذئاب، نتلصصُ عليها من ثقوب الكهف الآمن!
؟ «قمة شرم الشيخ تتعهد ببناء غزة وتطلب تسوية نهائية بـ 2009». «شرم الشيخ، مصر (CNN): تعهد قادة الدول المشاركون في قمة شرم الشيخ الأحد، بإعادة بناء ما دمّره الهجومُ الإسرائيليّ على قطاع غزة، والذي استمر لأكثر من ثلاثة أسابيع، كما دعوا إلى العمل على التوصل لـ''تسوية نهائية'' في العام 2009 الجاري». أبتسمُ ثانيةً في مرارة أشد، وأسألُ نفسي: هل يشملُ هذا «التعهد بالبناء»، إعادة الحياة لمن ماتوا؟
قوسُ قزح الذي أنتظره، وينتظر عبدالقادر عقيل، لن يأتي أبداً؛ لأن الموتى لا يعودون!
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
مرررررررررررررررررررررررررره نايس
يسلمووووووووووووو
عن جد حلو