|
|
» أعمدة - رانة نزال
أعمدة
ماذا لو..؟!
رانة نزال
حدثنا فقال: كنا قلة، وهم كثرة، كنا شعثاً نقتلع خطانا من الرمل المتلظي اقتلاعاً، ونحمل عددنا فوق ظهورها وكلنا غبطة وبهجة ونحن نتتلمذ على يد المعلم الذي نومئ على استحياء إلى بعض سيمائه، كنا نلتم حول التمر نقتسمه، بل نكتفي بمص حبة منه لنمدها للأقران ممن امتلأت أرواحهم غنىً وعزوفاً عن الدنيا بمباهجها وجاهها، كانت عيوننا معلقة على الغد، وكان حظ الواحد من دنياه مثل زاد الراكب، نسعى فيها وغايتنا الغد، لا الغد المؤجل، ولا الغد المحكوم بالموت، كنا نفيض حياة ونحن نسمع صوته الأجلّ بأن قد رأى كنوز كسرى أنوشروان بين يديه، ونحن فيما نحن فيه من حصار جلل، وخطب مريع، وهول مقيم، وخيانة وغدر، والفتنة تكاد تشب نيرانها فتلتهم ما ستلتهم منا، كنا قوماً نعيش يومنا بلا غد، ولمّا صار الغد وعداً صرنا قوة، تنبع من عين لن تنضب هي عين الإنسانية، عين الوعد على غدٍ يلمّ فرقتنا، ويوحد صفنا، ويجعل من كل منا أمة في واحد، غدٍ كله نحن من حيث كلنا ابن آدم وكلنا إلى التراب، بنا صار ما قبل التراب وعداً بأن الأرض بيتنا الكبير، وأن الشجر والطير والحجر كائنات تشاركنا التسبيح وتهلّل، وبأن أكرم من عليها هو الإنسان، وأنّا لا نقاتل إلا من يقاتلنا ويحول بيننا وبين الفطرة التي ترعى الأرض ومن عليها من طير وزهر وكائنات، كنا - لا فيما كان - بل فيما هو كائن في دمنا ونبضنا وشرعنا، أمة رفرفت شرائعها عالياً، وعلّت من شأن الحياة، ورعت فيما رعت الحب والأمل والغد والثقة والبحت والإبداع والألق، كنا حراس الفرح وأنصار المستغيثين، وحماة الديار، وقادة العز، وكنا لا يظلم عندنا أحد، ولا يهان، كانت من راياتنا «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! والعين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ولا تقطعوا شجراً ولا تقتلوا طيراً، وقرْقر أو لا تقرقر فإنك لن تذوق السمن قبل أن تذوقه أمة محمد، وإن لم يكن عمراً يراني فإن ربّ عمر يراني، وأما أبنائي فإني لأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته، واذهبوا فأنتم الطلقاء»، وما كان حديثاً يفترى، ولا اجتراح قول، كنا حقائق تسمو وتأتلق، كنا معجزة ردت للأرض روحها، ومهما تبارت القرائح والأقلام في محاولة أن تحكي ما كناه فلن تفعل، وستظل جميعاً كأن لم تبرح مكانها ولم تحرك بالقول لسانها، كأن تومئ على استحياء إلى بعض ما كُنّاه.
قلنا: كيف السبيل وكلنا لسنا منا، صرنا غيرنا، صرنا ما لا نعرفه عنا، صرنا غير ما لنا ولا نعرف ما علينا ومن معنا ومن نحن؟
قال: عليكم بأنفسكم، عليكم بكم، إذ لستم قلة، ولكنكم غثاء الزبد وتآكلت عليكم الأمم، فماذا لو غيرتم ما بأنفسكم؟ ماذا لو عدتم إليكم فيكم منكم، واقتربتم بشكيمة مما كناه، فلتقرع نواقيس الكبرياء، ولتتركوا عنكم الدنيا التي كلما طلبتموها ذلتكم، فلا تهونوا ولتعلوا عملاً لا قولاً، ولتنهلوا من نبع الأستاذية الفذ بأن لن يتغير وجه الحياة في قلوبكم وعقولكم ما لم تغيروا ما بأنفسكم أو تطلبون عزّة وأنتم بلا..! مجداً وأنتم بلا..!
قلنا: وما نفعل؟
قال: عمقاً.. صبراً.. ثقة.. زهداً.. عملاً.. وعداً.. جمعاً.. كُثرٌ ما ينبغي، وقلة ما هو كائن.
قلنا: وماذا لو نفعل؟
قال: عزاً.. مجداً.. وعداً.. غزة.
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
غزة العزة .. بجد تحتاج منا أن نكون كلنا صف واحد ويد وحدة