|
|
» أعمدة - كريم رضي
أعمدة
الـ «فوتبوليـــزم» بديــلاً عـن الهويــات
كريم رضي
ليس هذا مقال تحديدا عن كرة القدم وجنونها الذي يتصاعد مع اقتراب انطلاق صفارة مونديال ,2006 بل عن الـ ‘’كرة قدمية’’ إذا صح التعبير، الـ ‘’فوتبوليزم’’ بديلا عن الهويات المتصارعة والأيديولوجيات المتناحرة في العالم.
ذات أمسية ثقافية لجابر عصفور بمركز الشيخ ابراهيم آل خليفة في ندوة عن التسامح، كانت لي مداخلة لم تعجب الضيف فلم يعرها اهتماما ولا تعليقا. كان هو قد استعرض بدايات التعرف على مفهوم ‘’التسامح’’ في الثقافة العربية ومنشأه ثم تحولات هذا المفهوم في اللغة من مصطلح ‘’التساهل’’ إلى مصطلح ‘’التسامح’’، وتجلي هذا المفهوم عمليا في الواقع.
وعلقتُ عليه حين فتح باب المداخلات قائلا ‘’إن المثقفين عليهم أن يتواضعوا قليلا، فالثقافة لم يعد يعول عليها كثيرا في صناعة التسامح اليوم، بل ربما العكس، فالثقافة هي غالبا مصدر تصادم لأنها تقوم على نظام الهوية، ونظام الهوية هو بطبعه نظام دفاعي تجاه الآخر المختلف، بينما يعول اليوم أكثر فأكثر على الرياضة التي خلقت مفهوم المواطن الكوني عبر الهويات، فاللاعب أصبح يحمل جنسية برازيلية ويلعب مع أندية أخرى ضد أندية بلاده، والأمر نفسه على مستوى الأندية الوطنية في القرى والمدن، حيث يواجه اللاعب فريق منطقته من دون أن يوجه له اتهام بالخيانة. (وأضفتُ) كما أن افتتاحيات نسخ كأس العالم وكذلك الدورات الأولمبية هي بالأحرى قصائد تمتزج فيها ثقافات العالم وتذوب فيها الهويات وتمتزج فيها أشكال التراث الإفريقي والأوروبي والآسيوي والأميركي. على العكس من الثقافة إذاً، التي هي غالبا تنبني على الاعتزاز بالهوية وأصالتها، فلاعبو الكرة والرياضات الأخرى اليوم يمثلون نموذجا للإنسان المتعدد الهوية’’.
لم تعجب مداخلتي جابر عصفور كما أن مدير الأمسية علوي الهاشمي علق ساخرا بالقول ‘’وماذا عن صراعات المشجعين أو اللاعبين الدموية في الملاعب في بعض المباريات، هل هي نموذج للتسامح؟’’. بالطبع لا، أعود اليوم مساجلا مرة أخرى لعصفور والهاشمي، بل مبشرا بالـ ‘’فوتبوليزم’’ لا كهوس أو مجرد عشق، بل بما يرقى إلى مستوى تحولها إلى عقيدة جديدة تنطفئ أمامها كل مشاعل العقائد الأخرى وتنصهر الهويات وتذوب الاختلافات، في سحر هذه الكرة الفاتنة، التي صدفة اتخذت شكل كوكبنا، لكنها أصبحت فعلا رمزا للكوكبية. أية فتنة لا تجارى يعود بها كأس العالم كل أربع سنوات ليشد نحو لمعانه ملايين الناس عبر المدرجات وعبر الشاشات الفضية، من المجتمعات الأكثر فقرا في ضفاف أنهار آسيا وصحاري إفريقيا إلى مجتمعات الوفرة والرفاهية في أميركا وأوروبا. ومن المقاهي الشعبية في حي الحسين بالقاهرة وفي عمّان وتونس ودمشق وصنعاء، وبغداد المنكوبة التي ستجد فسحة بين دم ودم لتتابع الأولمبياد ريثما تنفجر قنبلة طرية تنثر اللحم والعظام على الشاشة الفقيرة، إلى المقاهي الفخمة في مجمعات الخليج وفي شوارع جنيف. فتنة لا توفر المتدينين ولا الملحدين ولا من بينهما من سحرها العظيم.
وأية وحدة في الطقوس الخاصة والصلوات والأناشيد التي تهزج بها المدرجات بكل اللغات، تمتاز بها هذه اللعبة التي هي جدية إلى حد أن تسميتها باللعبة لا يليق بهيمنتها على الأذواق عبر الطبقات والجنس واللون والقوميات والأديان والسياسة.
لن يعدم المسافر إلى أي بلد في العالم مهما صغر أو كبر أن يجد في أي حي شعبي صبية أو شبابا يمارسون عشقهم الأبدي لهذه الكرة الخلابة، سواء الفقراء حفاة الأقدام على مساحة من التراب والأحجار يتقاذفون كرة مطاطية رخيصة الثمن أو عديمة الثمن من القماش، أو كرة أرقى قليلا على ملاعب رملية تشع تحت الشمس كالذهب، أو بأحذية غالية الثمن على ملاعب مزروعة تلمع بالخضرة كربيع دائم بلا حدود.
ستعقد إحدى الجمعيات السياسية ذات الثقل السياسي مؤتمرها العام في التاسع من يونيو/ حزيران الجاري، وبدا لافتا أن ما يشغل بعض الزملاء من أعضائها هو تزامن المؤتمر مع افتتاح كأس العالم.
لم أستغرب، فهذا هو الجنون ذاته الذي من أجله ضربـَـنا أهلنا ونحن نعود مع غروب كل شمس مليئين بوحل الملعب الترابي تاركين واجباتنا المدرسية والتزاماتنا العائلية مهملة، بل ربما خسرنا مستقبلنا بأكمله إكراما لعيني كرة قد لا يجاوز ثمنها بضعة دنانير. وسيذكرني هذا بقلق عشاق الكرة في ليالي المناسبات المأتمية وهم يحرصون على انتهاء مراسم المأتم والموكب قبل انطلاق صفارة المباراة بين إيطاليا والبرازيل.
تلك هي الـ ‘’فوتبوليزم’’ ذاتها التي بسببها سنصم آذاننا قريبا عن نداء النساء وهن يطلبن البقالة والماء واللوازم. سنكون ‘’بيتوتيين’’ جدا في هذه الفترة، التزاما بالبيات العالمي في شرنقة كأس العالم. البيات الذي يتصاعد كدراما تاريخية إلى ذروة التضحية البطولية من دور الـ 24 إلى دور الـ 16 إلى دور الـ 8 إلى دور الـ 4 إلى ‘’الليلة الكبيرة يا عيني’’ على رأي سيد مكاوي، قبل أن ينفض المهرجان وقلوبنا معلقة بالنسخة المقبلة بعد أربع سنوات. سنكون حينئذ أكثر كهولة في كل شيء إلا في الـ ‘’فوتبوليزم’’ التي كلما كبرنا أكثر عدنا معها أطفالاً أصغر نفرح ونصرخ للفوز ونحزن ونبكي للخسارة.
* كاتب بحريني
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |