|
|
» أعمدة - أنور الرواس
أعمدة
الهــوية المفقودة
أنور الرواس
من كان يراهن على الهوية في وقت من الأوقات، ويناضل من أجل الحفاظ على ما تبقى منها، فإن الأمر اختلف في عصر الانفتاح والأيديولوجيات والتقليد الأعمى.
فالمتغيرات المتسارعة في الشأن الإعلامي والسماوات المفتوحة أقلقت المحافظين على الهوية، والسبب في ذلك -من وجهة نظري- أنهم لم يدركوا حقيقة التغيير والاندفاع نحو التجديد من قبل أجيال ترى في الهوية نشاطاً مجتمعياً يقتصر على مناسبات موسمية. والسؤال.. كيف نحافظ على الهوية مع قبولنا بعوالم العولمة؟ في اعتقادي لم يعد التفكير التقليدي الذي يقوده بعض المسؤولين الإعلاميين في بلادنا العربية، وكذلك بعض السياسيين الذين يحاولون ربط الماضي بالحاضر وفتح قناة مع المستقبل يجدي نفعا في العصر الذي نعيشه. فالتحول التقني السريع لم يعط مساحة للتفكير، بل ساهم إلى حد كبير في كشف مدى الأمية التقنية والمعرفية التي تنقص الكثيرين من المخططين في عوالم الإعلام والاتصال والسياسة والاقتصاد وغيرها من العلوم الأخرى، اللهم أولئك الذين يسعون لتحقيق مصالحهم بغض النظر عن المستقبل.
هناك من يرى أن الهوية لا يمكن لها أن تنقرض ما دامت التربية الأسرية والمدرسة والجامعة تساهم إلى حد كبير في ترسيخها، هذا افتراض، ولكن كيف يراهنون على التربية وهناك تداخل في أصول التربية الوطنية، فلا يمكن للتربية أن تتحمل مسؤوليات الجميع ولا يمكن لها أن تقدم العلاج الناجع ما دامت الصورة غائبة في التخطيط الاستراتيجي لمقومات المجتمع بأكمله. والصورة القاتمة الأخرى التي يمكن أن تتصوروها هي تلك الرسالة الإعلامية التي تأخذ نمطا مغايرا عن اللغة الإعلامية التي نتابعها بشكل يومي، ألا وهي اللغة الحوارية الراقية في بعض القنوات الفضائية، فإعلامنا في السلطنة لا يزال يمضي قدما نحو تبني مقولة -سير بعيد تعال سالم- أي تجميد الصورة عند فهمنا للعولمة الإعلامية. هذا ليس اتهاما بقدر ما هو قراءة لواقع الإعلام العماني الرسمي الذي يؤمل منه المزيد من الانفتاح وخلق لغة حوارية جادة تناقش فيها قضايا المجتمع، وفتح ملفات ساخنة تعنى بالمحاسبة وكشف التجاوزات. فمن غير المعقول تكرار الشعارات الوطنية الكبيرة، في المقابل هناك بعض من الناس يرفضون مفهوم الانفتاح، وهو أمر نستغربه في عصر السماوات المفتوحة.
هل باستطاعة المؤسسات الرسمية والخاصة والأهلية وحتى الدينية غرس مفهوم الهوية لدى الأجيال الصاعدة في ظل عوالم العولمة؟ نقول نعم ولكن كل بطريقته الخاصة التي قد تتضارب فيها المصالح الشخصية والشخصنة وبالتالي تضيع الأجيال مرة أخرى وتغرق في تفكير جماعة من الناس ترى في رؤاها أنها القادرة على الحفاظ على الهوية، مع العلم أن الهوية ليست شعارا يرفع وإنما وظيفة حياة. من يدري فقد تكون الهوية تاهت في غياهب الجب ولم تعد تطرح في أروقتنا الثقافية والسياسية والإعلامية. كيف تجبر المجتمع في أن يحافظ على الهوية، في المقابل هناك نواقص كثيرة لم تقدمها الجهات المختصة، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الأساسية الاستهلاكية اليومية، إذا تريد أن تطاع فاطلب المستطاع. والحياة بحاجة إلى شخوص ترى في التطور السياسي مقياسا لتطور أفراد المجتمع، وهي معادلة يجب التوافق عليها بشكل عملي دون الحاجة إلى التنظير وإلقاء الشعارات، فشعار الهوية قد يسقط يوما بسبب عدم إدراك البعض التحول الخطير لواقع المجتمع وتحوله نحو عوالم العولمة وما يقتنيه اليوم من أجهزة معقدة قد تكون الطريق نحو القضاء عليها بحكم الأيديولوجيات الخطيرة التي تحيط بنا بشكل منتظم، وفي نفس الوقت عدم قدرة المؤسسات على إيجاد الحلول لكثير من القضايا العالقة كاتخاذ القرارات في الجوانب الاستهلاكية اليومية.
إن الهوية أصبحت لغة هامشية، والذين ساهموا في ذلك لا زالوا مستمرين في وأدها من خلال قدرتهم على تهميش العام على الخاص في البلاد. هذه اللغة أصبحت عقيمة وهي ترسيخ لمبدأ التهميش الذي يمارسه البعض علينا في السنوات الأخيرة. إن عنوان المقال نابع من حرصنا على الهوية، وهذا الحرص يجب أن يكون لدى الجميع حفاظاً على واقعنا العربي الأصيل، وما يجري على الساحة العمانية ينبئ بأن هناك تراجعا في هذا المصطلح وبالتالي يجب أن تكرس القراءات نحو تجديد الصلاحية لهذا المفهوم من خلال إشراك الجميع في الحوارات السياسية والاقتصادية والثقافية وبشفافية تامة، وأن لا يفرض الرقيب الإعلامي أو المسؤول المتنفذ سطوته على محاور النقاش. فالحريات لا توهب ولا نحتاج إلى صك براءة من أحد، ومن يرى عكس ذلك فعليه بالحجة التي تقي المجتمع عثرات التخبط والانغلاق والعودة إلى الوراء. إن عمان قابوس وبكبرياء منتسبيها لن ترضى بذلك، فالطريق نحو الحرية مُشرع منذ عام 1970 ولا يمكن لأحد أن يستبدله حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
- أستاذ الإعلام السياسي المساعد جامعة السلطان قابوس - (عمان)
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
مشكور على المقال الرائع الذي جذبني شخصيا
فاضل السبت 2 أغسطس 2008