|
|
» أعمدة - حسين مرهون
أعمدة
حكماء العرب ‘’الجدد’’: إذا أفتوا في لبنان.. عقلانية ليبرالية أم عقلانية سحرية؟
حسين مرهون
... حتى نتخلّص من أكبر إعاقةٍ تواصليّة بين الليبراليين من ذوي صفة ‘’الجُدُد’’ وإخوتهم الليبراليين من غير ذوي الصفة، نقول بدايةً: أيُّها الليبراليون العرب ‘’الجدد’’.. لستُم عملاء ولستُم قَبَضَة ولستُم خَوَنة ولستُم كَفَرَة. هذه عتبة أولى، ونقطة على السطر.
وحتىّ نتخلّص من إعاقةٍ ثانية، أخفّ وطأةً إنما ذات مضمونٍ ذي قيمة في الموضوع الذي نحن بصدده، نقولُ أيضاً: مثلكم نحن، وهنا أتكلم بضمير الجمع عن ذاتيَ المركّبة وليس عن أحد، وهو، كما لا يخفى تقليد عربي أصيل من صيَغ الكلام، (نحن) ندافع عن قيم الحداثة والعلمانية وحقوق الإنسان والديمقراطية وتحرير المرأة والحريات ما خصّ منها وعمّ، إنما مضافاً إليها، وهنا موضع اختلافنا: التحرُّر. هذه عتبة ثانية، وانتهينا.
ماذا بقي إذن؟. بقي أن نقف على التفاصيل. والشيطان، كما يُقالُ دائماً، يكمن في التفاصيل. وأبدأ في التفصيل، ممّا كتب شاكر النابلسي قبل أسبوع، وهو، لمن لا يعرف، ثالثُ ثلاثة ممن صاغوا بيان الليبراليين العرب ‘’الجدد’’ في أكتوبر/ تشرين الأول 2004 الموجه إلى الأمم المتحدة، (كتب) مُطالباً العرب قراءة مشروع كوندي، الشرق الأوسط ‘’الجديد’’، قبل الحكم عليه [1]. وذلك صحيح، إنما ليس في المطلق. ذلك أنه، من غير الصحيح، إهمال السياق الخطابي الذي أُلقي فيه بهذا المصطلح. وهو شيء ضروريّ لتأمين مستوىً من الفهْم، خصوصاً في ظل اعتراف صاحبنا، بأنه ما من شيء يُقرأ حتى الآن عن هذا المشروع، سوى قلقلةِ شدقٍ زَلَقلت من لسان الساحرة كوندي وأعيد تأكيدها تالياً.
وفي مسألة السياق هذا، أشير سريعاً هنا، إلى حقيقةٍ يتمّ تدارسُها في أركيولوجيا (حفريات) الخطاب، وهي مسألةٌ أرى لازماً تذكير النابلسي بها، كونه ناقداً أدبياً ‘’سابقاً’’ (لكيلا نقول فاشلاً!)، مفادُها أنه: لدراسة ملفوظةٍ ما ينبغي النظر إلى قوانين ظهورها، وأيضاً شروط تملكها، واستثمارها (وهو ما نصطلح عليه بالسياق). وهو سياق طويل ومعقد يتوجب الكشف عن طبقاته واحدة واحدة. لماذا أتت هذه الملفوظة دون غيرها؟. لماذا في هذا الوقت وليس في وقت سابق أو لا حق؟. ما الذي قطعت معه وما الذي أبقت منه؟. ما التشكيلة الخطابية أو منظومة الخطاب الكبرى المسئولة عن ظهور هذا النوع من الملفوظات؟.
وتنويعاً على موضوعنا الرئيس، يُسأل هنا: في أي سياق أتى مصطلح الشرق الأوسط ‘’الجديد’’ لأول مرة؟. لماذا هذا المصطلح وليس غيره؟. لماذا في هذا الوقت تحديداً وليس في أي وقت آخر سابق أو لاحق؟. ما الذي قطعه مع مصطلح/ مصطلحات آخر/ أخرى سابق/ سابقة له، الشرق الأوسط الكبير مثلاً، وما الذي أبقى منه؟. ما الأفق الخطابي الأكبر والأعم المسئول عن ظهور مصطلح الشرق الأوسط ‘’الجديد’’؟.
وهي أسئلة محيّرة كما نعلم، إنما محالٌ الوصول إلى إجابة عليها، من خلال تلفيقية حجاجية يُستعارُ لها قولة من هنا وأخرى من هناك. مثلاً، حين يُقال، إن ذات الكلام الذي قيل عام 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، (ذاته) يقال هنا عن الشرق الأوسط ‘’الجديد’’. أو، حين يُقال إن فلاناً نائب الأمين العام للجامعة العربية قال: ‘’محتوى مشروع الشرق الأوسط الكبير هو الديمقراطية والاقتصاد الحر وتعليم الفتيات ومحاربة الفقر’’. لأننا، وأمام خطاب فقير مثل هذا، لا يسعنا إلا أن نطلق زفرة شفقة على داعية العقل هذا، الذي يحجب بالوجدان الصوفيّ ما يفضحه العقل نفسه، بالحسابات الرياضية البسيطة (مقدمتان ونتيجة!).
إنْ لم يسمع النابلسي، ومحالٌ يكون ذلك، فليسمعْ: يأتي مشروع الشرق الأوسط ‘’الجديد’’ في سياق لحظة مشهديّة حيوانيّة، حصيلتها حتى الآن 900 قتيل مدني لبناني و3000 جريح ونحو مليون نازح. ويأتي مشروع الشرق الأوسط ‘’الجديد’’ في سياق جموح آلة الجيوش، وغريزة إمبريالية (أميركية، إسرائيلية) متصادية معها، متضادّة مع إرادة تخفيف مشهديّتها. ويأتي مشروع الشرق الأوسط الجديد في سياق حروب أهلية عربيّة/ عربيّة، أطلقت وحشَها مشاريع من هذا النوع... ما أتى منها وما سوف يأتي.
وليست هذه بلاغة زائدة. كما ليست ضرباً من الخطابة يسوقه من لا يقرأ وإذا قرأ لا يفهم، كما يحلو للنابلسي أن يرى إلى المختلفين معه من وراء النظارة. فمثل هذا الكلام غدا يُقال ‘’على المكشوف’’: شرق أوسط ‘’جديد’’، يتم استيلادُه بعد استنفاذ كورس القنابل، الذكي منها والغبي. هذا هو السياق الذي يتظافر فيه الحديث الآن عن شرق أوسط ‘’جديد’’. ومن غير فلسفة زائدة.
والحال، إذا كان يصحُّ القولُ إن الفهم سابقٌ الحكم، أو هذا ما يجب أن يكون على الأقل، يصح القول أيضاً، نكتةٌ تلك أو أكبر بكثير، أن يُقال، إن الشرق الأوسط ‘’الجديد’’ يعني ‘’الاقتصاد الحر وتعليم الفتيات ومحاربة الفقر’’. لا، لأن مدى القنابل الساقطة على لبنان، يصل إلى أبعد من ذلك بسنوات ضوئية. أو، أن يقال في ‘’روشتةٍ’’ إلى السحر أقرب، إن دخول الأردن في حلف بغداد ,1955 لو حدث، لكان وفر عليه اقتطاع الضفة الغربية... ‘’ولكان تلافي العراق بالتالي ثورة 14 تموز 1958 التي قضت على الملكية. ثم لتلافي حكم حزب البعث في العام .1963 ولما ظهر صدام حسين ولما قامت الحرب العراقية - الإيرانية، وحرب الخليج. ولتلافى العراق حروب ما بعد حرب الخليج الثانية أيضاً. وربّما لما قامت حرب 1967 أصلاً، ولكان عبد الناصر أكثر عقلانية وواقعية سياسية’’ [2]. ولا... ثانيةً هنا، لأن ذلك كلام غير تاريخي، وهو إلى ‘’العقل السحري’’ أقرب، منه إلى ‘’العقل العلمي’’ أو ‘’النقدي’’، الذي شارط به النابلسي خصومه الإسلاميين في بيانه الشهير ‘’مسودة أولى لمانيفستو الليبراليين الجدد’’ [3].
وكائناً ما كان المعنى الكامن في الشرق الأوسط ‘’الجديد’’، ما فُهم من السياق، أو ما سيُفهم تالياً من الأوراق، ثمة وجاهة، بل... ومشروعية، في كل الهواجس المتوجسة منه خيفةً. ذلك أن الهواجس هذه نابعة عن تكوينات اجتماعية لها جذورها كما وأنظمة مصالحها، ويصعب كما ينبغي على ‘’العاقل’’ استخلاصه من الحريق العراقي، استئصال هذه التكوينات بوجدانية ظافرية ترى إلى الشرق الأوسط الجديد ‘’تعليماً للفتيات ومحاربة للفقر’’. وأي إهمال لهذه الخلاصة، كفيلٌ بتمديد الهيولى العراقية إلى حدود لبنان. حينذاك فقط، سنعرف، والُعتبى على من يقرأون ويفهمون، أي شرق أوسط ‘’جديد’’ ذاك الذي أرادته كوندي!.
[1] شاكر النابلسي، الشرق الأوسط الجديد: من قرأ ومن فهم؟، صحيفة إيلاف الإلكترونية، 1 أغسطس/آب .2006
[2] المصدر السابق.
[3] شاكر النابلسي، من هم الليبراليون العرب الجدد وما هو خطابهم؟، شفاف الشرق الأوسط، 22 يونيو/ حزيران .2004
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
شقيقي،
بل هو تهريج متعقل،
مقال روعة يا بوعلي!
ولد المطوع الأحد 6 أغسطس 2006
مقاربة جديرة بالقراءة لخطاب الليبراليين الجدد. لكن تبقى مشكلة هؤلاء أنهم لا يتوفرون على تكوين معرفي يمكنهم من التعاطي مع هذا الخطاب الذي من الواضح أن كاتبه يتوفر على تكوين فلسفي ونقدي يجعل منه جديراً باكتشاف مآزق خطابهم ومآزق مواقفهم... تحية لهذا الجهد
بنسعيد العربي الأثنين 7 أغسطس 2006