|
|
» أعمدة - محمد جلال نعمان
أعمدة
قمة دمشق: النتائج والتداعيات
محمد جلال نعمان
المتتبع للأوضاع العربية قبل وأثناء وبعد انعقاد القمة العربية العشرين في العاصمة السورية دمشق في الفترة من 29-30 مارس/ آذار الماضي، يلمس مجموعة من الظواهر، لعل في مقدمتها:
(أولاً): استمرار تردي العلاقات العربية البينية نتيجة إعطاء الدول العربية الأولوية لمصالحها الوطنية واستراتيجياتها الوطنية (ثانيا): استمرار حالة الضعف العربي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وذلك رغم الإمكانيات العربية (النفط- الأموال الناتجة عنه- صفقات الأسلحة)، ولكن هذا الضعف مرجعه عدم وجود الإرادة العربية الموحدة
(ثالثا): استمرار العالم الخارجي في تشويه الصورة العربية والإسلامية من خلال بروز الجماعات الأصولية المسيحية واليهودية المتشددة في أوروبا وأميركا من ناحية والطروحات الأصولية الإسلامية من قبل جماعات هامشية. والاثنان تؤدي جهودهما لنتيجة واحدة وهي الإساءة للعرب والمسلمين.
(رابعا): وفي مقابل ذلك تراجع مفهوم العقلانية والرشادة في الفكر والسلوك العربي، رغم بروز بعض دعوات الاعتدال والحوار ولكنها تضيع كطروحات مثقفين أو شعارات سياسيين لأهداف الدعاية أكثر منها تعبيراً عن تغير حقيقي في الفكر والمواقف والسلوكيات.
(خامساً) عدم الشفافية والصراحة والوضوح في التعامل العربي البيني سواء على مستوى الدول أو مستوى الحكومات أو حتى على مستوى الفصائل التي تنتمي لدولة واحدة.
في ظل تلك الظروف انعقدت القمة العربية في دمشق بحضور أدنى عدد من قادة الدول وإن كانت الدول العربية كافة -ما عدا لبنان- قد تواجدت، ولهذا عبر وزير خارجية سوريا وليد المعلم بعد انعقاد القمة بأنها نجحت نجاحاً فاق التوقعات وأوضح مظاهر النجاح في ثلاثة أمور:
الأول: مجرد انعقاد القمة في وقتها المحدد وفي مكانها المحدد في دمشق، هذا في ذاته يعد نجاحاً.
الثاني: المشاركة العربية الكبيرة في القمة، رغم الضغوط ضد انعقاد القمة وضد المشاركة وضد مستوى التمثيل وهذا هو النجاح الثاني.
الثالث: لغة التصالح التي سادتها وبخاصة أسلوب الحوار والبيانات ولقاءات القمة في جلسة مغلقة. وهذا هو النجاح الثالث.
وعلى الجانب الآخر أوضحت مصادر الدول التي لم تشارك بمستوى رفيع أن القمة أخفقت ويستدل على ذلك من شواهد:
أن الحضور على مستوى القمة بلغ أدناه بالنسبة لأية قمة عربية، هذا من حيث الشكل العددي، ومن حيث الجانب الموضوعي، فإن قمة يغيب عنها قادة مصر، أكبر دولة عربية سكانياً وتاريخياً ودوراً في المجال العربي والدولي، والسعودية اكبر دولة ثقلاً اقتصادياً ومالياً، والأردن التي لها خطوط تماس ضخمة مع العدو الأول للعرب وهو إسرائيل ومع القضية العربية المحورية وهي فلسطين، فإن هذه القمة لا يعد انعقادها ناجحاً.
شاهد آخر، إن ثمة دولا أخرى ذات دور وأهمية لم تشارك على مستوى القمة وفي مقدمتها المغرب المسؤولة عن ملف الأقصى، واليمن صاحبة طرح مبادرة للوفاق الفلسطيني، والبحرين وعمان ولهما دور مهم في أمن الخليج العربي الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن العربي الشامل والعراق التي يعد ملفها في القمة ساخناً، بل أن نائب الرئيس العراقي الذي ترأس وفد بلاده في القمة كان الوحيد الذي تحفظ على الفقرة الخاصة بالعراق في بيان قمة دمشق.
ثالثا، أن بعض الدول التي شاركت على مستوى القمة جاءت مشاركتها مجاملة دون اقتناع حقيقي بالتاريخ أو المكان، لظروف الأوضاع العربية الراهنة، وحتى لا يفسر عدم مشاركتها بأن ثمة سعي لعزل سوريا -الدولة المستضيفة- وكان ذلك احد دوافع مشاركة جميع الدول على مستويات متعددة.
وفي تقديرنا إن الهدف من وراء موقف من لم يشارك على مستوى رفيع هو إرسال رسالة للدولة المستضيفة بأن ثمة تصورات خاطئة وسلوكيات خاطئة في مواقفها العربية.
لعل في مقدمة التصورات هو موقف وزير خارجية سوريا في تصريحاته العديدة حول القمة وبخاصة قوله ''القمة بمن يحضر'' أو قوله ''إن القمة في سوريا سيشارك فيها اكبر عدد من القادة عن القمم السابقة''.
ومن ذلك أيضا أن الرئيس السوري بشار الأسد بعد حرب لبنان بقيادة حزب الله مع إسرائيل اتهم بعض القادة العرب الذين انتقدوا موقف حزب الله ووصفهم بأنهم ''أنصاف رجال'' أما السلوكيات فلعل في مقدمتها:
(أولاً): يتعلق بالوضع في لبنان وتنفيذ قرار مجلس الجامعة العربية ومساعي الأمين العام لتحقيق وفاق وطني لبناني وانتخاب رئيس توافقي، والموقف السوري التزم أطروحة واحدة (إن سوريا مع حل مشكلة لبنان على خلفية الاتفاق والتوافق اللبناني) وهذه المقولة صادقة شكلاً لكنها موضوعاً لا يمكن تطبيقها، فالوفاق الكامل لا يمكن تحقيقه في أية دولة في العالم
(ثانيا): يتعلق بالخلافات الفلسطينية وهي أساسا داخلية فلسطينية لاختلاف الرؤى والمفاهيم ولكنها أيضا تغذى من قوى خارجية إقليمية. ناهيك عن القوى الأجنبية التي لها أيضا دورها وهي إسرائيل والولايات المتحدة.
وبعد القمة فإن هناك ثلاثة سيناريوهات:
(أولاً): استمرار لغة التصالح التي استخدمها الرئيس السوري في خطابه امام القمة. وتم مبادلتها من جانب الدول المتحفظة على القمة وقد تؤدي اللغة التصالحية هذه إلى حلحلة الموقف في لبنان والذي يعد الصخرة التي أضعفت مستوى التمثيل في القمة.
(ثانيا): عودة اللغة التقليدية في الأطروحات والخطاب السوري والعربي والنتيجة جمود وتوتر وربما بعض الصراعات.
(ثالثاً): أن يؤدي السيناريو الثاني إلى فتح شهية الدول الأجنبية مثل إسرائيل والولايات المتحدة للعمل ضد سوريا أو ضد حزب الله أو ضد حماس أو ضد إيران. والمحصلة النهائية مزيد من الصراع العربي العربي
وتبقى ملاحظتان هامتان: الأولى، إننا كعرب لم نتعلم بعد لغة الحوار فيما بيننا والحوار لا بد أن يتسم بالرغبة الصادقة في عدم فرض وجهة نظر احد الأطراف، وعدم استخدام لغة الاتهام والتخوين وعدم التقليل من شأن الآخرين.
الثانية، إننا كعرب لم نصل بعد للقاسم المشترك الذي يجمعنا من اجل الأهداف الإستراتيجية للأمن العربي أو المصلحة العربية المشتركة، رغم رفع هذه الشعارات الجميلة.
* مستشار الدراسات الإستراتيجية بمركز البحرين للدراسات والبحوث
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |