صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 17 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:57
الشروق 6:17
الظهر 11:52
العصر 3:03
المغرب 5:27
العشاء 6:57
» وقت للكتابة - قاسم حداد
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
وقت للكتابة
السيدة السمراء بساعديها الحانيتين
قاسم حداد
(1)
فجأة،
هكذا مثل برق،
رأيت تلك السيدة السمراء، قوية البنية، تحرس البوابة الكبيرة لمدرسة البنات الشمالية الواقعة في الشارع المقابل لنادي البحرين، القريبة من مدرسة الهداية بالمحرق.
تلك السيدة ذات الشكيمة العالية تحاول، بساعديها الحانيتين، أن تصدّ جموع الطلبة المحتشدين أمام المدرسة يحاولون اقتحام البوابة لإخراج الطالبات كي يشاركن في التظاهر.. في أحد أيام ستينات القرن الماضي.
يتزاحم الطلبة، بشعاراتهم المهتاجة، ضاغطين بالمناكب لفتح البوابة، غير أن السيدة ذات الهمة الواثقة، تصرخ فيهم أن يكفوا عن ذلك، وأنها لن تسمح لهم أن يأخذوا بنات الناس إلى الشوارع.
سيدة تذود عن حياضها، معتبرة أن هؤلاء الطالبات بناتها وهي مسؤولة عن حمايتهن، تلك السيدة الساهرة على خدمة تلك المدرسة، لقد عجزت إدارة المدرسة برمتها عن معالجة ذلك الموقف، فتولت هذه السيدة الصارمة أمر التصدي للفتية المتحمسين المتهورين الذي لا يقدرون خطورة ما يفعلون.
(2)
فجأة،
هكذا مثل البرق الخاطف،
حضرت هذه السيدة أمامي كأنها الآن.
خشية أن يسرق البعض تاريخنا الاجتماعي، في خضم التبديد الأخرق لتاريخنا السياسي، ستحضر هذه المرأة، بدرسها الجلي، لتوقظ الذاكرة النائمة، هذه المرأة المألوفة في سياقها الوطني بلا إدعاء ولا فجاجة.
هكذا، فجأة،
سيذكر الكثيرون، هذه اللحظة، تلك المرأة،
وإذا اختلفوا، غفلةً، على تقدير دورها، آنذاك، ستحضر عندهم، مثلي،
حيث أرى الآن ملامحها الغاضبة، وازورار عينها، عن أبنائها الطائشين، في لطف النساء الرصينات، غير المكترثات بغرور الشباب وثقتهم العاطلة، أراها وهي تعاركهم في فتحة ضفتي البوابة الكبيرة، بعباءتها الفالتة، ملتفة بثوبها البحريني المزركش بألوان البحر، المزين بأثر قصب قديم لا يصدأ، غير عابئة بتصبب العرق من رأسها وجسدها المتوتر بالذود عن فتيات بقينَ هناك، في ساحة المدرسة، وعند نوافذ حجرات الدراسة، مأسورات بما يحدث، موزعات التوق والمشاعر والأحاسيس بأن ثمة سيدة يعرفنها جيداً، هي، في هذه اللحظة بالذات، أمهم جميعاً، أمهم الوحيدة التي لن تفرّط في حمايتهنَّ من شارعٍ بلا قياد، فيما يرون، في اللحظة ذاتها، نهراً هادراً يصخب بجانبهم ويغوي أكثر العقول رجاحة من أجل أن يغرقنَ في موجه العارم. فتيات يرقبن عضلات تلك السيدة السمراء وهي تقدر على منع جيش الفتية الصغير من اقتحام البوابة الخشبية العريضة التي تصطفق مثل أجنحة نورس مهيض، وتكاد أن تنهار تحت وطأة ذلك الصراع غير المتكافئ، كانت بوابة هي النموذج الباهر لعرينٍ تحميه امرأة واحدة، كي تحفظ جيلاً غضاً من الكائنات المحروسة، في سبيل أن تختار طريقة خروجها بنفسها.
(3)
هكذا فجأة،
مثل برق الحدث الماثل،
أشعر بصهيل تلك السيدة النادرة، تذود عن بوابة مدرستها التي أصبحت حصنها الأول، ضد طيش شباب يريد أن يطلق جماح بنات المحرق، للمشاركة في المظاهرة، لأمر يحدث كلما طابَ لهم أن يفعلوا ذلك.
سيكون على الذاكرة أن تثبت قدرتها على مجاراة هذا البرق الخاطف، وعليها، خصوصاً، أن تمنحني طاقة الخيال لكي أتذكر كيف كانت امرأةٌ، نموذجٌ، قادرة أن تبتكر الوسائل لإعالة أطفالها المنذورين لفقرٍ عفيفٍ، يختصر شعباً برمته، عندما يتعلق الكلام عن نضال المرأة المكابرة بلا خطابات، وخصوصاً بكرامة ينبغي صونها الآن، ودائماً، لأبنائها، وأحفادها، لنصدق أننا نقرأ تاريخنا الاجتماعي، بدرجة الحضارة، ولا نمعن في التنكيل بروحنا الإنساني، في شعبٍ لا يزال يرزح تحت وطأة الوطن.
(4)
هكذا فجأة،
حضرت هذه المرأة،
مثل درسٍ متأخرٍ، يدركنا قبل أن يفوت الفوت.
أرى السيدة القوية تنتصر على جموع الطلبة بالصوت الصادق، ويغلبونها بالطيش المتفجر في صبر الفتيات النافد.
هكذا فجأة،
أشعر أن ثمة حكمة في امرأةٍ، من ستينات البحرين المشتهاة، تحمي مدرسةً، هي بيتها الثاني، لأرى جيلاً كاملاً، بكل فئاته، يصوغ تاريخاً بهياً جديراً بمستقبلٍ، أكثرَ جمالاً مما آلَ إليه.. وسَلَمْ.

 التعليقات

شكراً لأنك منحتني رؤية أدق تفاصيل مشهد بهذه الروعة، تأخرت على حضوره بجسدي لكنه لم يتأخر على الذاكرة. شكراً لأنك مرة أخرى تعزز إيماني بالمرأة البحرينية الي لم تنل حصتها من الخطابات لسبب بسيط هو أنها كانت مشغولة بالفعل عن الكلام.

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي