|
|
» أعمدة - سليمان الهتلان
أعمدة
مع التدوين.. ضد الاعتقال
سليمان الهتلان
المهم هنا هو ''المبدأ''!
أن يعتقل إنسان - أي إنسان - في قضية رأي فتلك فعلاً مسألة يجب أن ترفض من الأصل. والبحث عن مبررات، مهما كانت، يظل قضية خاسرة في وقتنا الحالي. تصريح المتحدث الأمني الرسمي حيال اعتقال المدون السعودي فؤاد الفرحان أثار أسئلة كثيرة بدلاً من أن يجيب على سؤال واحد يتعلق بسبب الاعتقال. التصريح الأمني يقول إن اعتقال الفرحان يأتي نتيجة للإخلال بأنظمة ''غير أمنية''. ما معنى ''أنظمة غير أمنية''؟ وإذا كان المقصود هنا هو قضية غير خطيرة، وليس لها علاقة بتهديد أمني من قريب أو بعيد ولا تأتي في إطار مواجهة الإرهاب، فما هي هذه القضية إذن؟ أي إجابة الآن ستكون محاطة بالشك وسؤ الفهم كما لو أنها أتت كرد على النقد المتزايد للاعتقال. الأسئلة المهمة هنا، خصوصا ونحن نشهد خطوات إصلاحية جادة على أصعدة القضاء والإدارة الوطنية يقودها رأس الهرم، الملك الإصلاحي القدير، تأتي في التالي: ما هي آليات الاعتقال وشروطه؟ ومن يحق له الاعتقال، خصوصا في قضايا ''غير أمنية''؟ وكيف يتم الاعتقال؟ هذه أسئلة جوهرية من الواجب أن تسأل في العلن ومن المسؤولية الإجابة عليها لكيلا يظل الحديث عن الإصلاح مجرد ''دعاية'' نريد تسويقها على العالم في الوقت الذي يتعطش الداخل فيه لخطوات جادة تترجم وعود الإصلاح عملياً كما حدث في نظام القضاء الجديد وأمثلة مهمة أخرى ليس آخرها نظام البيعة وتأسيسها والإعلان عن أعضائها. المزعج في كثير من التعليقات السعودية بخصوص اعتقال الفرحان هو في تلك النغمة البليدة حول ''تشويه صورة المملكة في الخارج'' على حساب المبدأ نفسه وعلى حساب طموحات الداخل في خطوات إصلاحية حقيقية تتماشى مع رؤى وطموحات قائد مسيرة الإصلاح في بلادنا، الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وإذا لابد من الحذر من ''تشويه صورة المملكة في الخارج'' فإن حقائق العولمة اليوم - حتى لأبسط مراقب - تؤكد أن العالم اليوم صار فعلاً أصغر من قرية صغيرة وأن الخبر، مهما صغر أو كبر، لم يعد بحاجة ماسة لوكالة أنباء دولية أو صحيفة عالمية، كي تنقله للعالم كله. فالتقنية التي استخدمها الفرحان في مدونته أصبحت اليوم مثل وكالة أنباء عالمية تعمل في أي مكان ومن أي مكان وبلا رقابة ومن دون ''تأشيرة'' دخول تمنح لصحافي أجنبي بعد التمحيص في أوراقه وماضيه. مرة أخرى، أنا أنتقد اعتقال الفرحان من منطلق مبدأ الاعتقال نفسه خصوصا وأنه يأتي في سياق ''قضية رأي''. أما إذا كان ثمة أسباب أخرى أدت للاعتقال فإن من الحق - بل من المسؤولية - أن نسأل عنها. ولهذا فأكثر ما يصدمك في هذه القضية هو تماهي كثير من الأسماء القيادية في الوسط الإعلامي ممن ''غض الطرف'' عن هذه القضية رغم أن أهم مسؤوليات إعلامنا اليوم هو التعبير بصراحة - تتوافق مع واقع الإصلاح المعاش اليوم في بلادنا - عن رفض الاعتقال - أي اعتقال - من غير مبررات قانونية ومن دون شرح صريح وواضح وصادق لملابسات الاعتقال وظروفه. واحدة من دلالات هذا الصمت هي أن هذا الوسط البليد لا يستحق أي حق ولا يمكنه أن يكون أداة فاعلة في عملية الإصلاح والتغيير الإيجابي وهذا يمنح المدونين من أمثال الفرحان مزيدا من التأييد والشرعية والاحترام. أنظر كيف تتحدث وسائل الإعلام الدولية، بكل أشكالها ومستوياتها، عن اعتقال المدون السعودي ثم ابحث عن تغطية محلية للحدث لكي تدرك مجدداً كم هو بائس حال إعلامنا. وللحق فسؤ حال الإعلام عندنا يأتي امتداداً لسوء حال الإعلام العربي عموماً خاصة في قضايا تتعلق بحقوق الإنسان والحريات والعلاقة مع أجهزة الأمن. ومن منطلق الإيمان بضرورة ''نقد الذات'' فسبق لي أن كتبت كثيراً منتقداً حال الوسط الإعلامي في العالم العربي وتلك قناعة راسخة في أن المدرسة الصحافية التقليدية في الوطن العربي إجمالاً لا يمكنها أن تصبح يوماً جزءاً من حل إشكالات المجتمع العربي، فهي أصلاً من خيباته وفشله. ميزة المدونون العرب أن كثيرا منهم جاء من تجربة نقية من أمراض الوسط الصحافي وتخلفه وعاهاته ولهذا ليست مبالغة أن نقول بأن الإعلام الجديد، والمدونات جزء فاعل من هذا الشكل الجديد للإعلام الجماهيري، حيث سيقدم أشكالاً جديدة ووجوه جديدة مختلفة للعمل الإعلامي والوسط الإعلامي ستكون أكثر تأثيراً وأقوى تفاعلاً مع قضايا الناس وهمومها. هذه حقيقة لابد من استيعابها لأن ما تبشر به عولمة الإعلام اليوم يحمل مفاجآت كبيرة لمن تعود لعقود أن يمارس رقابة ضد الرأي وضد الأفكار المختلفة.
الإشكالية الأخرى في قضية اعتقال الفرحان، وقد قيلت كثيراً في الأيام الماضية، هي في أن مثل هذه الحادثة ستقوي من حجة التزام أشباح الإنترنت وفئرانها بأسمائهم المستعارة وهم يمارسون ''شجاعة'' زائفة و''بطولات'' جبانة خلف الأسماء النكرة. أنا ممن يحترم الرأي المختلف، مهما كان قاسياً أو جارحاً، حينما يكتب صاحبه باسمه الصريح وأستطيع أن آخذ وأعطي معه على أساس معايير الحوار والاختلافات التي تضمنتها ثقافة الرأي والاختلاف مادام الحوار معنياً بالرأي والفكرة وليس في الشخص وشكله وحياته الخاصة. المدونات يمكنها - بأشكال كثيرة - أن تؤصل لنوع راق من الحوار والاختلاف، مسألة ملحة لمجتمع حُرم طويلاً من تجربة الحوار وتعدد الآراء وتنوع المدارس الفكرية.
إن واحدة من آليات التفاعل الإيجابي مع معطيات الإصلاح الذي نطمح إليه والذي بشرنا ويبشرنا به رجل الإصلاح الأول في المملكة تأتي في الإيمان الصادق بأهمية النقد وأهمية الرأي المختلف وتأهيل المجتمع للتعامل بثقة ونضج مع مفهوم النقد واختلاف الرأي. فعلاً، هناك من لا يدرك أن في حرية التعبير - المقترن بالمسؤولية الاجتماعية - ضماناً لنمو المجتمع ووعيه تجاه مشكلاته والتحديات التي حتما ستواجهه في ظل مشهد النمو السريع في تقنيات الاتصال وتفاعل الداخل الطبيعي مع الخارج في عصر العولمة الراهن. أدوات الرقابة القديمة لن تحرجنا فقط مع ''الخارج'' - طالما أن ثمة من همه الأكبر سمعتنا خارج الحدود - ولكن (وهذا الأهم) ستزيد من تعقيدات قضايا الداخل سياسية كانت أم ثقافية واجتماعية. والحل يأتي في ''سعة الصدر'' مع الأصوات المختلفة وفي التعامل بشفافية مع القضايا الاجتماعية الملحة وفي إدراك أن من الحق السؤال عن الحقوق والواجبات خصوصا في القضايا الأمنية.
سأنهي مقالي اليوم بخبر فيه بشرى، لعله يحسب لتجربة الفرحان في المعتقل، فمنذ انتشار نبأ اعتقال الفرحان وعشرات من الشباب السعودي، إن لم يكن المئات، تتساءل عن المدونات وطبيعتها وأساليبها. ومتى ما اتسعت دائرة المدونون السعوديون ربما ظهر مناخ صحي للحوار الجاد وتقبل الآراء المختلفة. والمنافسة على التدوين، بأسماء حقيقية، ليس فقط ممارسة حضارية وتنموية مهمة ولكن أيضاً أداة لسحب البساط من تحت أشباح النت وفئرانها من مروجي الفتنة والأكاذيب.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |