صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 17 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:57
الشروق 6:17
الظهر 11:52
العصر 3:03
المغرب 5:27
العشاء 6:57
» أعمدة - عبدالهادي خلف
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
أعمدة
صفقةٌ ضيزى
عبدالهادي خلف
تبدو القصة لغير العارفين كأنها مسرحية هزلية نشاهدها للمرة الأولى رغم أن قصتها حقيقية وحزينة وقديمة. تبدأ المشاهد الأخيرة باحتجاج باحث أكاديمي على امتناع وزارة الإعلام عن الرد على طلبه التصريح له بطباعة كتابٍ سبق له أن نشره مسلسلاً في صحيفة محلية. ثم يُستبدل الوزير السابق بوزير جديد فيستبشر المتابعون وخصوصاً بعد أن حضر الوزير الجديد ندوة عامة ناقشت دور وزارته في الرقابة ومنع الكتب وبعد إعلانه أنه يعتبر نفسه ‘’في خندق واحد’’ مع نادر كاظم مؤلف الكتاب الممنوع.
بعد هذا تأخذ الحوادث مساراً عبثياً. فتتالى المقالات التي تثمن ‘’الالتفاتات الايجابية التي دأب وزير الإعلام الجديد جهاد بوكمال على إرسالها للوسطيْن الإعلامي والثقافي في البحرين منذ أن تسلم منصبه الوزاري’’ بحسب ما كتب حسن مدن الذي أكد أيضاً أن ‘’من الخطأ تغليب الأهواء والأمزجة في الحكم على أعمال بحثية أو إبداعية، ولا يجب أن يكون معيار الرقيب هو اتفاقه أو اختلافه مع ما هو معروض عليه’’. لهذه الكلمات وزنها ليس فقط لأن قائلها هو رئيس جمعية سياسية معتبرة ونائب رئيس معهد التنمية السياسية في المملكة، بل أيضاً بسبب خبرته بدهاليز وزارة الإعلام بحكم موقعه الوظيفي فيها.
لم يتغير شيء رغم ما أشاعه الوزير من تفاؤل. فالأمور أكثر تعقيداً مما تصور الوزير والمتفائلون من بين مرؤوسيه. فلو كان المطلوبُ بيتاً أو وظيفة لما تأخر فضلُ الوزير من دون حاجة إلى تزلّف أو تدلّل. إلا أن سياسة الدولة العليا ليست بهذا الهُون. وهي ما سُميت ‘’سياسة عليا’’ إلا لأنها فوق طاقة المواطنين العاديين حتى ولو كانوا وزراء. وضمن هذه ‘’السياسة العليا’’ تندرج حيثيات منع نشر الكتب والمقالات وحتى الكلمات المفردة. وحين يسمع الناس العاديون تعبير ‘’الأمر جاي من فوق’’ فهم يعرفون أنه ليس نتاج أهواء الموظفين وأمزجتهم حتى ولو حمل توقيع بعضهم.
الرقابة هي أحد الأسلحة الأصيلة في ترسانة القمع التي تضمن استقرار ممارسة السلطة ودوامها. ومن دون الرقابة ستصبح حرية البحث عن المعلومات متاحة للجميع كما ستتاح لهم حرية تبادل هذه المعلومات. عندها قد يتكشف بعض المستور، والعياذ بالله. وعندها تزول الرهبة من السلطة وتزول الهالة التي تضعها السلطة على أصحابها. فمن خلال احتكار المعلومة ومنع تداولها تحدد السلطة ما هو سري وما يزعزع الاستقرار وما هو يثير الفتنة. ولا يهم هنا أن نقول المنع يطال أموراً هامشية أيضاً. فالمنع ضروري ليس في موضوعه فقط، بل في ذاته أيضاً. ذلك لأن المنع يزرع الحذر في قلوب الناس ويبرر خوفهم. ومعلومٌ أن الخوف من الوقوع في المحظور، أو ما يسمى ‘’الرقابة الذاتية’’ أحياناً، هو إحدى علامات نجاح القمع. فحين لا تعرف الناس أين يبدأ ‘’المحظور’’ وأين ينتهي يتمكن أهل السلطة من إعادة تعريفه كيفما شاؤوا وبحسب حاجاتهم الظرفية. ولا تختلف هذه الممارسات القمعية إلا في جوهرها بين ما يفعله رئيس دولة كبرى أو مديرة مدرسة أو فريق رياضي.
في خطوة غير مسبوقة دعت ثلاثون جمعية بحرينية إلى ‘’الاستجابة إلى نداء الحرية والديمقراطية بإلغاء الرقابة على الفكر والثقافة والإبداع، والسماح ومن دون أية شروط مقيدة للحرية والحق’’. ولا شك أن أصحاب هذه المبادرة الطيبة سيتممون ما بدأوه بإعداد قائمة الكتب والأعمال الإبداعية التي منعتها الرقابة. ولا شك أن طول هذه القائمة وتنوع الأسماء فيها سيفاجئ حتى أكثر الناس متابعة لانتهاكات حقوق الناس طيلة العقود الماضية. فما تحتويه هذه القائمة، مثلما تحتويه قوائم الممنوعين من السفر والمنفيين والممنوعين من العمل، يشكل جزءاً من تاريخٍ نحتاج للتعرّف عليه حتى نمضي جميعاً نحو مصالحة حقيقية تمهد لإنجاز بناء الدولة التي تحتضننا جميعاً.
يكتسب بيان الجمعيات الثلاثين، في نظري، أهمية خاصة لأنه لا يناشد ولا يرجو. بل هو يشدد على الحق في الحرية والحق في الاختيار ليس فقط استناداً إلى مواد دستورية ومواثيق، بل أيضاً بسبب ضرورة ذلك للعمل من ‘’أجل البحرين البهية بإنسانها وحضارتها ومكتسباتها ومستقبلها’’.
حين يطالب الناس جميعاً بحقهم في ممارسة حقوقهم فإنهم يعيدون تعريف علاقتهم بالسلطة. أي أنهم يحولون سلة الحقوق التي تنص الدساتير والمواثيق عليها إلى استحقاقات لابد أن تلتزم الدولة بتأديتها حتى تتأسس شرعيتها وتتثبت. وحين يطالب الناس جماعياً بحقوقهم فهم يساهمون في بناء دولة لا تمنح ما تشاء وقت ما تشاء لمن تشاء. دولة تعرف أن وظيفتها الأساسية هي تنفيذ التزاماتها تجاه الناس. وأولى هذه الالتزامات هي توفير الحق في الحرية وكفالة الحق في اختيار كيفية ممارسة هذه الحرية.
مقابل هذا التطور الإيجابي المتمثل في بيان مؤسسات المجتمع المدني وفي ظل تزايد الضغوط المحلية والدولية، نقرأ عن تحرك في الاتجاه المعاكس تماماً. فبحسب ما كتب خالد الرويعي في ‘’الوقت’’ هناك توجه لعقد ‘’صفقة حيوية’’ ستؤدي إلى الإفراج عن ‘’عدد من الكتب’’ الممنوعة. ولا شك لدي أن صفقة كهذه ستكون ضربة للتطور الإيجابي الذي يشير إلى احتماله بيان الجمعيات. وهي عودة بائسة إلى اعتماد الحلول الفردية لمشكلات يعاني المجتمع برمته منها. أي الحلول الفردية التي تؤكد سعة صدر المسؤول وكرم السلطة ولا تقوم على اعتراف بالتزام الدولة بأداء استحقاقات المواطنين عليها. وهي حلول فردية تعزز التشطير العمودي للمجتمع وتدفع الناس، أفراداً ومجموعات، إلى التنافس مع الآخرين، أفراداً ومجموعات، على كسب رضا أهل السلطة، تزلفاً أو تذللاً. عندها تعم روح ‘’نفسي نفسي’’ ولا يهتم الفردُ إلا بمشكلته وحده من دون غيره. عندها ترتاح السلطة من إلحاح الناس الذين يطالبون بحلول جماعية للمشكلات الجماعية.
ضمن الكتب التي أشارت ‘’المصادر المطلعة’’ إلى الإفراج عنها ضمن ‘’الصفقة الحيوية’’ وَرَدَ عنوان أحد كتبي. أرجو ألا يكون الخبر صحيحاً. فلستُ مع الصفقات لاقتناعي بأن خير الدولة يجب أن يكون عميماً ومتاحاً للجميع من دون شروط أو تمييز. وعلى أية حال فهذه ليست أول صفقة ضيزى أرفض أن أكون طرفاً فيها. فمازلت مقتنعاً بأن الجهود نحو بناء الدولة تتضرر بالصفقات الجانبية وبالحلول الفردية التي أساسها طيبة هذا المسؤول مقارنة بغيره أو بمن سبقوه.


* كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة ‘’لوند’’ - السويد

 التعليقات

لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي
» كاريكاتير