|
|
» أعمدة - عبدالخالق عبدالله
أعمدة
الإصلاح الجامعي فـي الإمارات
عبدالخالق عبدالله
بعد قرار جامعة السوربون الفرنسية العريقة في مايو/ أيار 2006 فتح أول فرع لها خارج فرنسا في أبوظبي، جاء دور جامعة نيويورك، اقدم واعرق الجامعات الخاصة الأميركية التي أعلن رئيسها جون ساكستون، في الأسبوع الماضي، عن تأسيس أول فرع لها خارج الولايات المتحدة في أبوظبي.
لقد كانت الإمارات الآمنة والمستقرة والغنية دائما جاذبة للجاليات الأجنبية التي خلقت الخلل السكاني المزمن والشنيع. ثم أصبحت الإمارات في ظل الطفرة النفطية الثانية جاذبة للاستثمارات والشركات الأجنبية التي أخذت تنافس الشركات الوطنية وتفرض تغير القوانين الاقتصادية والتجارية الاتحادية لتتوافق مع متطلبات عصر العولمة. الآن جاء على ما يبدو دور الجامعات الأجنبية التي بدأت تتدفق على الإمارات لتكشف ضعف جامعاتنا الوطنية وتزاحمها على الموارد الشحيحة وتضاعف من التحديات والمسؤوليات التي تواجهها.
هذا التوجه التعليمي الجديد للاستعانة بالجامعات الأميركية والأوروبية العريقة وزرعها في البيئة المحلية بقدر ما يؤكد الحرص على الارتقاء بمستوى التعليم العالي وتحويل عاصمة الإمارات الى مركز ثقافي وتعليمي وفكري عربي وعالمي رائد فإنه يثير تساؤلات كثيرة عن غايات وأهداف هذه الجامعات ودوافع انتقالها الى المنطقة في هذا الوقت بالذات.
فما الذي يدفع جامعة فرنسية عريقة كجامعة السوربون ان تفتح فرعا في هذه المنطقة من العالم التي لا تتحدث اللغة الفرنسية أصلا؟ وما الذي يدفعها ان تضع ضمن مقرراتها فرعها في أبوظبي تدريس مادة الشريعة التي أخذت تنحسر من مقررات الجامعات الوطنية؟ وما الذي يدفع جامعة نيويورك التي حصلت في تاريخها الأكاديمي الممتد لأكثر من 175 سنة على اكبر عدد من الجوائز العلمية بما في ذلك جوائز نوبل في شتى المعارف ان تقرر فتح اول فرع لها في الإمارات من دون بقية الدول في العالم؟
تقول ماريات ويسترمان، الأميركية الجنسية والمولودة في هولندا وأستاذة الفنون الجميلة والتي ستتولى إدارة جامعة نيويورك في أبوظبي (هذا هو الاسم الرسمي للجامعة الجديدة) ان فتح فرع لجامعتها في الإمارات هو جزء من حركة عولمة التعليم الجامعي. فالهدف هو تعميم الخبرة الأكاديمية الأميركية التي اثبتت نجاحها وتفوقها والمساعدة في رفع سقف التعليم الجامعي والارتقاء بالبحث العلمي وتعزيز التفكير الإبداعي وخلق جيل جامعي جديد مواكب للمهارات والمستجدات الفكرية والحياتية المعاصرة.
لا شك ان تبرير العولمة يحمل الكثير من الصحة، لكن تعميم التعليم الجامعي الاميركي ونقل مفرداته وقناعاته ومناهجه وفكره يتضمن ليس عولمة بل أمركة التعليم الجامعي على الصعيد العالمي. كما ان نقل الخبرة الأكاديمية الأميركية في ضوء الاعتبارات الاستراتيجية لعالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول ينطوي أيضاً على محاولة واضحة لإعادة هندسة عقل الجيل العربي الجديد المعروف بعدائه الشديد للسياسات الاميركية المغالية في عدوانيتها لكل من له علاقة بتلك الحوادث الدامية. من هنا يبرز السؤال هل تأتي الجامعات الأجنبية الى المنطقة لتلبية حاجاتنا والارتقاء بتعليمنا الجامعي الوطني ام لتلبية حاجاتهم ونشر تعليمهم الجامعي الأجنبي الذي اثبت نجاحه وتفوقه؟
من المؤكد ان الجامعات الاميركية والاوروبية العريقة لا تأتي الى المنطقة العربية القاحلة علميا واكاديميا، ''لله في لله'' او من اجل سواد عيوننا. ومن المؤكد ايضا ان هذه الجامعات لم تأتِ الى اكبر واغنى إمارات الدولة من اجل المال. فهذه الجامعات مقتدرة ماليا ومكتفية كل الاكتفاء ولديها استثمارات ضخمة توازي استثمارات اكبر الشركات العابرة للقارات. لم تأتِ جامعة نيويورك والسوربون لتقدم خدمات مجانية كما انها حتما ليست هنا من اجل دوافع مالية بحتة على اهمية المغريات المالية الضخمة التي تقدم لهذه الجامعات. كما انه من المؤكد أن قرار مجيء هذه الجامعات الى المنطقة العربية خضع للكثير من المراجعة الاكاديمية كما السياسية. فقرار فتح فرع لجامعات غربية عريقة بقدر ما هو قرار اكاديمي هو ايضا قرار سياسي واستراتيجي وحصل على مباركة من اعلى المستويات في باريس وواشنطن.
مهما كانت الدوافع الواضحة والاقل وضوحا، فالمهم في الامر أن مجيء الجامعات الاجنبية يفتح بالضرورة ملف الجامعات الوطنية التي لازالت تستعين بالإدارة الاكاديمية الاجنبية اكثر من اعتمادها على الكوادر الاكاديمية الوطنية. لقد حان الوقت لإجراء مراجعة نقدية وحريصة لوضع جامعاتنا الوطنية لإخراجها من الاهمال والاحباط.
فبعد مرور نحو ثلاثة عقود على تأسيسها لازالت جامعة الإمارات تفتقد الحرم الجامعي الذي يليق بالجامعة الوطنية الام في الإمارات. لقد وصلت جامعة الإمارات الى طريق مسدود اكاديميا وبحثيا وفقدت البوصلة حديثاً ولم تعد تعرف في اي اتجاه تتجه. كذلك وبعد مرور اكثر من عقدين على تأسيس الكليات التقنية لم تعد هذه الكليات قادرة على تقديم الخدمات التعليمية الجامعية بالجودة نفسها التي كانت تقدمها في سنواتها التأسيسية الاولى. هذه الكليات اصبحت طاردة بعد ان كانت الجوهرة الجامعية الجاذبة. كما انه وبعد مرور اكثر من عقد على تأسيس جامعة زايد لم تتمكن هذه الجامعة من توطين كادرها الاداري والاكاديمي. هذه الجامعة التي تحمل اسم الاب المؤسس لدولة الإمارات لازالت تدار اكاديميا من قبل الجنسيات كافة فيما عدا الجنسية الإماراتية.
جامعاتنا الوطنية عاثرة ومتعثرة ولا تعيش افضل حالاتها على الصعيد الاكاديمي والبحثي وحتى المالي والاداري. هذه الجامعات تعاني اكثر ما تعاني من الاهمال ومن نقص حاد في المال وتمر بحالة تقشف شديد في الوقت الذي يتم فيه الاغداق بسخاء ما بعده سخاء على جلب الجامعات الاجنبية. لم تعد جامعاتنا الوطنية بمواردها المالية الراهنة قادرة على استيعاب العدد المتزايد من ابناء وبنات الإمارات الراغبين في مواصلة التعليم الجامعي.
من المؤسف ان تصل جامعاتنا الوطنية الى ما وصلت اليه. ومن المؤسف اهمالها بدلا من تطويرها. ومن المؤسف اكثر استيراد التعليم الجامعي الاجنبي بدلا من تطوير التعليم الجامعي الوطني. لا بأس من الاستعانة بالجامعات الاجنبية لكن ليس على حساب الجامعات الوطنية التي ساهمت في رفد هذا المجتمع بأفضل كوادره الاداريه وحتما ليس على حساب قضايا بديهية كالولاء والانتماء واللغة والهوية المهددة في التعليم الجامعي كما التعليم العام. مجتمع الإمارات فريد في اختلالاته ومن المهم وضع هذه الاختلالات لدى الاستعانة بالجامعات والشركات كما الخبرات الأجنبية.
لا بد من فتح ملف الإصلاح الجامعي وإجراء تقييم شامل للعقلية والطريقة والإدارة التي تدير جامعاتنا الوطنية التي تواجه منافسة شرسة على أرضها وفي عقر دارها من قبل الجامعات الأجنبية القادمة بقوة للتأثير بشكل حاسم في المشهد التعليمي الجامعي في الإمارات.
* كاتب وأكاديمي من الإمارات
للتعليق والحوار مع الكاتب: abdulkhaleq@gmail.com
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |