|
|
» أعمدة - حسين مرهون
أعمدة
المرأة أنثى والسلطة ذكر
حسين مرهون
...ها إن لطيفة القعود قد فازت. على من؟ لا أحد يدري، ولكن المهم أنها فازت. المهم أن ضربة قد سددت إلى جدار العزل ‘’الجندري [1]’، وعلى القفا.
أصبحت لدينا امرأة نائبة في البرلمان. ليس ذلك فقط، إنما أول امرأة. وليس برسم التاريخ الحاضر وحده، إنما التاريخ الحاضر والماضي والمستقبل. ها نحن ندخل إلى الألفية الثانية بأفتك أسلحتنا وأشدّها مراساً وعصرية: تمكين المرأة. ها نحن نستجيب إلى شروط العولمة وحقوق الإنسان واتفاقيات التجارة الحرة ومناهضة العنف ضد النساء. من ذا يستطيع أن يشارطنا في أسبقيتنا إلى سلة الحداثة هذه بعد الآن؟ قل لي، من ذا ينكر علينا الديمقراطية في ديمقراطيتنا التي افتتحنا دورتها الثانية بمشهد امرأة تصلها رسائل التبريكات وفاكسات التهاني؟ نحو ديمقراطية الأنثى، ذلك شعارنا من الآن فصاعداً.
لم نفهم عليك. هل تقف ضداً على دخول المرأة؟ لا، أقف ضداً على ‘’تذكير’’ دخول المرأة. هل تدعو إلى ‘’تأنيثه’’ إذن؟ أيضاً لا، أدعو إلى أنسنته. ذلك حلم، أنت تعرف أنه في مجتمعات أبويّة، الطاعة فيها رجل والخطيئة أنثى، ليس بالإمكان تثمير هذا الذي تدعوه ‘’إنسانية’’. لكنني أعرف أيضاً، اسمع، أنه في المجتمعات هذه، حيث السياسة ذكر، والسلطة ذكر، والسيادة ذكر، والقانون ذكر، والتمثيل ذكر، وتدبير الاجتماع ذكر، وداعي المصلحة العليا ذكر، والمداهنات التي تدار من تحت الطاولة ذكر، والمداهنات التي تُدارُ من فوق الطاولة ذكر، (أعرف) أن دخول المرأة إلى السياسة ليس سوى تجميل لذكورة الذكر المتعدد هذا. ما الحل برأيك؟. الحل في تبشيعه، تبشيع داعي الذكورة هذا. كيف؟. بالوقوف ضداً على إكراهاته، وعلى إملاءاته، وعلى المجيء عبره، وعلى الرحيل عبره، وعلى الترشح من خلاله، وعلى الوصول من خلاله، وعلى ترفيع ما رفع، وعلى تخفيض ما خفض، وعلى الانتصار به، وعلى الخضوع إلى سلطته.
هل تدافع عن القطيعة؟ ليس تماماً، أدافع عن الحل التواصلي، حيث يتوقف الذكر عن تذكير نفسه، وحيث تتوقف الأنثى عن تأنيث نفسها، وحيث يتوافقان في المحصلة، على هوية وطنية جامعة، أكبر من الوعاء ‘’الجندري’’ الذي يسيجان به ذاتيهما، مثل سورٍ عازل. لكن قل لي، ما دخل لطيفة القعود بكل ذلك؟ دخلها، في أنها جاءت إلى هذا الحشد المستوفي للحد الأقصى من الذكورة، بالحدّ الأقصى من الذكورة نفسه. جاءت إلى ديمقراطية الذكر بأسلحة الذكر، وبحيل الذكر، وألاعيب الذكر، وأساليب الذكر، وقواعد لعب الذكر، ومكرية الذكر، ومخاتلة الذكر، وذئبية الذكر. وكان يجب عليها أن تجيء، بالردة على كل ذلك، ليس لصالح تأنيث المفردات الذكرية هذه، ولكن لصالح أنسنتها، منع استرسال بشاعتها، تقليص وحشها، حدّ قتله أو في الأقل ترويضه. وذلك ما لم تفعله القعود، وفضلت أن تمضي إلى اللعبة بقواعد اللعبة نفسها.
أنت لست متفائلاً إذن؟ دعني أصيغ سؤالك بطريقة ثانية. ماذا كنتُ أنا فاعلاً لو كنتُ مكان القعود؟ لو كنت أنا مكانها، لرفضت أن أفوز إلا بجدارة، على مرأى من يرى وعلى مسمع من يسمع. ولرفضتُ أن آتي إلى البرلمان بولاية أمرٍ من أخٍ ذكر. ولرفضتُ أن أفوز على لا منافسين. ولرفضتُ أن تقتصر قاعدتي الانتخابية على ألف نسمة. ولرفضتُ أن أفوز بالتزكية. ولرفضتُ استقبال رسائل التبريكات وفاكسات التهاني إلا بالفوز في معركةٍ جدية. ولترشحتُ في مقابل رجل أو امرأة، لا فرق. ولأصررت على أن يكمل المترشحون، رجالاً كانوا أو نساءً، خوض الشوط معي إلى النهاية. ولقاومتُ إكراههم، لو وجد من يكرههم، على الانسحاب. ولبحثتُ لي عن مترشحين ومترشحات منافسين ومنافسات في حال أصرّ المترشحون والمترشحات المنافسون والمنافسات الذين معي على الانسحاب. ولدخلتُ الانتخابات مرة ثانية وثالثة ورابعة، تماماً مثلما دخلت المرة الأولى، إلى أن تنكسر الرأس الصلبة ويشعر الناخبون أنني الأصلح إلى تمثيلهم.
أما ومادام كل ذلك لم يحدث، فلتسمح لنا القعود، وعلى رغم من قناعتنا بأنها جديرة بأن تفوز بغير هذا الفوز، أن نقدم لها التهاني باردة، باردة جداً، على أمل أن يزيدها أداؤها في البرلمان المقبل حرارة، حرارة عالية جداً، فتثبت خطأنا، وحينذاك لن نستريب من القول، وبالصوت المسموع: إننا أخطأنا.
[1] الجندر: النوع الاجتماعي.
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
أخالك فتحت جرحاً بنقدك لسياسة التعامل مع هذا أبناء (وبنات) الشعب كوميات، إنس محنطة! لها هيئة البشر، ولكن لا إرادة لها ولا شعور. يتم وضعها في أي صندوق، وتنقل منه إلى صندوق آخر، حسبما يشاء الوالي ويريد. فهل تستطيع المومياء الرفض أو القبول بما يخطط لها من وراء كواليس الدوواين؟- مع الإحترام والتقدير للجميع
عبدالجليل السنكيس السبت 21 أكتوبر 2006
سيدي عليك الرحمة، لقد أحسنت حتى بينت بياض إبط الحقيقة، بالتوفيق..
مارون الأحد 22 أكتوبر 2006
سؤالي هنا هل توجد حياه على جزيرة حوار؟ إذا كان بنعم فسوف تُحل مشاكل السكن للمواطنين ولكني أرى أن الأسم كبير ولكن من دون حياة تذكر....
أتمنى أنكم فهمتم القصد
صادق الأحد 22 أكتوبر 2006
اول نائبة هل جاءت بارادة شعبية ام بارادة السلطة هذا هو السؤال الاهم والذي اجاب عنه ضمنيا مقالك و تعليق الاخ العزيز السنكيس و كثير من المتابعين ذو الفكر المستقل يرون ان تسهيل تغيير عنوان السكن دون الحاجة لفاتورة الكهرباء هذه المرة و سحب مرشح السلطة السابق للدفع بها للامام منفردة لتنال استحقاقا ربما يشك في نيله لو نافسها نصف رجل في مجتمع يرى الانوثة عوره
محسن الأحد 22 أكتوبر 2006
يعطيك العافية على هذا المقال الجميل
بنت الدوسري الأحد 22 أكتوبر 2006
مقال جميل
المحمد بن احمد الأربعاء 27 فبراير 2008