|
|
» أعمدة - حسين مرهون
أعمدة
المثــقـــف المـقــــــاول
حسين مرهون
سهلٌ جداً على مثقفٍ مملوء البطن أن يحملَ على غوغائية المجتمع. فما أسهل الدوس على هذا الذي يدعونه ‘’المجتمع’’. ليس مثقفاً ذاك الذي لا يبدأ طريق المجد من النقطة التي يتخفف فيها من الشعبوية ومن همجية الجماهير ومن عنترية الساحات، التي ‘’ماقتلت ذبابة’’. وليس نخبوياً ذاك الذي لا ينتهي به طريق المجد هذا إلى الارتماء في حضن تلك ‘’الزائدة الدودية’’ و’’الوحش الأشد بروداً’’ الذي اسمه دولة. كأنما كُتِب على المثقف أن يسلك طريق الضدين هذا، وكأنما المطلوب منا أن نركن إلى هذا الحدّ الفائق من الخدعة. كيف لا؟ أليس هو اللاّبس عمامة رسول الله، وأليس هو، مادام الحال هذا، من يجب أن يُقال له: سمعاً وطاعة.
وعلى ماذا؟ مُستحمِرٌ اكتشف توّاً أن عباءة الساحات التي تدثّر بها لسنوات، ما عادت تسدُّ طموحه الفاغر إلى جديد الخطاب وموائد العملات المسكوكة. وعلى ماذا؟ مستطفلٌ اكتشف تواً، أن البركة، كل البركة، والخير، كل الخير، إنما يتأتّيان من المشي على البلاطات بخنوع الخانع، ومن أين جاء سجّادها، من فلس يومٍ أحمرٍ أو من أنهار دمٍ عبيط!. لا يسأل المثقف المتبدّلُ الأسئلة هذه عادةً، فالردة، كل الردة، فيما يُستحضرُ من الماضي، والجدّة، كل الجدّة، فيما يُتطلّعُ إليه من المستقبل. والمستقبل؟ أن ينصرف كل ذي شأنٍ عام إلى طحن دقيق الخبز وإطعام الجوعى، وترك دبّ الروح في المشروعية السياسية إلى أجلٍ مُسمّى.
وليس معلوماً؛ حتى الساعة، من أي أصناف المثقف جاء داعية المستقبل هذا. فلا هو المثقف العضوي عند أنتونيو غرامشي، ولا هو المثقف الدنيوي عند إدوارد سعيد، ولا هو المثقف الداعية عند عبدالإله بلقزيز، ولا هو مثقف النهايات عند علي حرب. بلى، هو المثقف المقاول الذي غدت تفرخ منه مراجنُ الورشات الليبرالية الجديدة نسخاً بالآلاف، وبحسب الطلب. هو الذي ‘’أقرب إلى الخبرة وإلى التنفيذ منه إلى صياغة الفكر’’. هو الذي ‘’يساهم في تسيير ماهو قائم وليس مطلوباً منه طرح بديل’’.* هو الذي سلاحه في وجه خصومه قائمة من ‘’الينبغيات’’: ينبغي أن، يجب أن، إن علينا، يُفترض...إلخ وليس صناعة الحقائق على الأرض. الحقيقة الوحيدة التي يصنعها، هي لنفسه، الإثراء، والإثراء الفاحش، السلطة، والمزيد من السلطة.
؟؟؟
يتحشّدُ مثل فهْدٍ جائع. يستأسدُ في سرد رؤياه. يستذئبُ في هجاء العنتريات. لكنه يتقلّصُ مثل ساعةِ هزيمةٍ أمام السلطة. يسترها، يحجب وحشها، يحميها. يحلم بتمديد هدنته الشخصية حتى تغدو خياراً جماعياً. ينافحُ بالخيار الغبيّ لديه من أجل أن يثبت فشل الخياراتِ الذكيّة لدى الآخرين!. يمعنُ في تمطيط أناه التي استشرفت والتي تنبأت والتي حذّرت والتي رأت الرؤيا، ليس من الآن إنما منذ أربعة أعوام، من أجل تشريط ضحاياه، جلدهم، حدّ إسالتهم وتبخيرهم. ساديّ، ساديّ هذا المثقف، بشع ولا أخلاقيّ!.
هامش:
*الطاهر لبيب، حوار مع علي الديري وحسين مرهون، مجلة ثقافات، ع 15/.2005 ,16
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
مقال جيد .... وأسلوب جميل
الحمار أكل الدستور الأثنين 16 أكتوبر 2006
بصراحة مقال حداً رائع ،وما اكثر المثقفيين المقاولين فى العالم العربي بل باتت "المثقف المقاول " ضاهرة عربية بمتياز
hussain khamis الأثنين 16 أكتوبر 2006
مقال جميل جداً يا حاج في نقد مثقف السلطة المتزلف الذي يترفع عن الجماهير بعد أن صعد على أكتافهم ، والذي يلوك العبارات المطاطة كعلك البمبو عندنا في الصومال ، لسانه ليبرالي ، وجنانه فاشستي.
بوركت يا حاج حسين على هذا المقال الأكثر من رائع !!
عبد رب الرسول أظاظه الأثنين 16 أكتوبر 2006
مقال في الصميم وفي منتهى الروعة
ابو الجينز والجل الأثنين 16 أكتوبر 2006
ترى من هذا المثقف؟
خسارة على عباءة الرسول وهنيئا للجل والجينز وفلكلوريا..!
فهيم الأثنين 16 أكتوبر 2006
لا أريد أن أبدو قاسياً، أو مزايداً ولكنه -يا حسين بن مرهون- خريف الرجال. نعم، خريف برياح شديدة تسقط الأوراق اليابسة والذابلة، وأخشى بأن عدد الأوراق المتساقطة في خريف 2006م سيكون شديداً، تسقط فيه الثوابت والمعاني الإنسانية التي ضحى من أجلها شعب البحرين، إبتداءاً من بنفور وحتى نوح.
إنني لست متشائماً، فإن الربيع قادم وسيشتد عود الشجرة وستزدان بأوراق خضراء معبرة عن الأمل في مستقبل قادم مبني على حياة العزة والكرامة في ظل إرادة شعب البحرين يعتز بمن بقى من رجالاته
عبدالجليل السنكيس الأثنين 16 أكتوبر 2006
اخي العزيز الدكتور عبد الجليل لقد ابديت من القسوة الى حد الافراط الاوراق التي تتنبأ بسقوط ما تبقى منها هي يانعة عند غيرك وقد تكون كذلك فليس بالضرورة رؤيتي هي الحقة و المحك لمسلكيات الاخرين
محسن الثلاثاء 17 أكتوبر 2006