|
|
» أعمدة - علي أحمد الديري
أعمدة
إجماع الخمرة
علي أحمد الديري
«السياسيون أجهل الناس بما يتولون من أمر، وأن عظماءهم قوم يسايرون الحوادث ويحسبون أنهم يُسيُّرونها، ويخضعون للعامة ويحسبون أنهم الأعلون»[1] (قيافا) حكيم بني إسرائيل ومفتيها في رواية قرية ظالمة.
حين يُجمع السياسيون باسم الشرع على قضية ما، هي أصلاً خلافية، فلابد من الشك، والبحث عن حقيقة ضائعة. قد تختلف الموضوعات (حظر الخمر، صلب المسيح، سحل هيباتيا)، لكن لا يختلف الأمر بالنسبة إلى الحقيقة الضائعة وسط زحام الإجماع، سواء كان هذا الإجماع على قتل أو منع أو تحريم أو تجريم.
أعادني إجماع مجلس النواب وشبه إجماع الناس الذين اختاروا هؤلاء النواب ممثلين عن ضميرهم، إلى رواية «قرية ظالمة» مرة أخرى[2]، هناك في القرية الظالمة حصل إجماع على أن السيد المسيح خالف شريعة بني إسرائيل ويجب صلبه، والأصوات الفردية التي استيقظ ضميرها الخاص وراحت تفكر في ظلمها الذي ستتحمله، لم تستطع أن تُسمع الآخرين صوت ضميرها، فصوت الضجيج الذي كان يردد كلمة الرب ويحتجُّ باسمه أعلى من صوت الضمير الذي كان يشكك في ما أجمع عليه هذا الضجيج.
كان ضجيج قاعة النواب وهم يسايرون الحوادث ويحسبون أنهم يُسيُّرونها، يزبد بجمل كأنها تنطق عن الله «المسألة مؤصلة في كتاب الله ولا داعي لطرح الموضوع أساساً»، «سيكونون مسؤولين أمام الله»، «لا يمكن السكوت عن المنكرات ومخالفة شرع الله»، «لا نريد استفتاء على شرع الله»[3].
كان ضجيج النواب وهم يسوقون مسلماتهم وبدهياتهم لإقرار قانون حظر بيع وتداول الخمور، يكرر حجج بني إسرائيل حين أرادوا تبرير صلبهم للمسيح، كلها حجج دينية حرفيّة، الحجج الدينية لا تصلح وحدها للتشريع للدولة، فالعقل الفقهي الذي يُشرِّع للفرد لا يصلح أن يكون هو نفسه الذي يُشرَّع للدولة، فالدولة مجال عام لا خاص، عام لجميع المختلفين في المعاصي والطاعات والديانات والطوائف ومرتكبي الصغائر والكبائر.
جزء كبير من الجدل الذي مازال يجري في إيران منذ قيام الثورة وحتى اليوم يدور حول محاولة جعل الدولة تتوافق تماماً مع «الفقه»، وهذا ما عبّر عنه رجل الدولة والدين عطاء الله مهاجراني في مقالته أمس بمناسبة عيد النيروز في صيغة تساؤل سمّاه التساؤل الملح: هل ينبغي أن تتوافق جميع التقاليد الثقافية والاجتماعية مع الفقه؟ بمعنى إذا لم نجد مبرراً في الفقه لمهرجانات مثل مهرجان النار، فهل يصبح لزاماً علينا رفضها؟[4].
مع الأسف أن الساحة المحلية هنا في البحرين، قد خنقت تساؤلات بوادر حركة الإصلاح الديني، وأعانها على ذلك الاختناقات السياسية والمساومات على الملفات الحساسة، وأصبح هناك إجماع داخل الجماعات الدينية أدى إلى موت الضمير الفردي والعقل الفردي، فكثرت المسلمات والثوابت والشعارات والشعائر.
يقول «قيافا» الفقيه والحكيم والفيلسوف ملخصاً حكمته الفردية التي لم يستطع أن ينطق بها إلا إلى ضميره الخاص وعقله الفردي «إن بين أمر الله وأمر السياسة ما بين الأخلاق والحياة، تنافراً وتباعدًا واختلافاً، ليس أصلها التناقض وإنما مرجعها إلى صعوبة ترجمة أوامر الله إلى أعمال السياسة كما تصعب ترجمة مبادئ الأخلاق إلى أعمال الحياة»[5].
وما يفعله نواب أوامر الله هو أنهم يزيدون حياتنا صعوبة بسبب إصرارهم على هذه الترجمة المستحيلة في الحياة، وأقول مستحيلة لأنك حتى لو نجحت في تطبيقها بقانون القوة أو بقوة القانون المستمد من الجماعة في لحظة شحنها وتصلبها، فإنك ستفاقم من تناقضات الحياة وتناقضات الجماعة، وستزيد التناقضات الجماعية والفردية وفي هذه التناقضات انحطاط الأخلاق. فالمنع العام يخلق سوق سوداء في الاقتصاد وسوق مزايدات في الأخلاق وبضائع كذب ونفاق يروجها سياسيون يسايرون وهم يحسبون أنهم يُسيّرون.
إن خطاب رئيس كتلة الوفاق النائب علي سلمان يضعنا على محك هذه الصعوبة حين يبرر دفاعه المستميت عن قانون المنع «دستورنا وجميع وثائقنا تشير إلى أننا بلد مسلم عربي له تاريخه الطويل الذي ينتمي للإسلام، ولكن في كثير من تطبيقاتنا هناك مخالفات كثيرة تناقض ما جاء في الدستور والمواثيق وممارسة المحرمات ومن ضمنها الخمر يتناقض مع هذه الركائز»[6].
ولنا تاريخنا الطويل في التعدد والتسامح والتنوع والحرية الفردية في اختيار ما يتعلق بنمط الحياة الشخصية، وهو تاريخ لا يتعارض مع الانتماء إلى الإسلام، فالإسلام قابل للتأويل مع الزمان والمكان وأشكال تنظيم السلطة والدولة غير قابلة للتأويل، الدولة نص والإسلام تأويل، من هنا حيويته وتعدد تمثيله وأشكال تجسّداته.
حيوية الانتماء إلى الإسلام تكتسب فاعليتها من التنوع في طبيعة هذا الانتماء، وتفقد هذه الفاعلية حيويتها بمجرد حكر هذا الانتماء في نمط تدين الجماعات الدينية المسيّسة. مهمة الدستور أن يكفل الحرية الشخصية للفرد في المجال العام، والحريات الفردية جزء أصيل لا يجوز الانتقاص منه بحجج تجعل أعمال الحياة صعبة، أعمال الحياة التي تضج اليوم بطوائف من ديانات مختلفة وعمّال من جنسيات مختلفة واقتصاد من موارد متعددة. لندع هذا الانتماء حياً ليكون جامعا لاختلافاتنا في أشكال تمثيل الإسلام.
أنا لست مع هذا القانون، لأني أريد أن يبقى المجال العام ساحة للحرية الشخصية الفردية التي يقرر فيها الناس خياراتهم من غير وصاية، ومن غير صعوبة، ولأني أريد لنص لدولة أن يُوسّع المجال العام للحريات الفردية.
إن ماء الذهب الذي يريد أحد النواب أن يكتب فيه مداخلات النواب في جلسة حظر الخمور ويتركه صدقة جارية، ليته يكتب إلى جانبه بماء الخمرة مداخلاتهم في الدفاع عن غاسلي الأموال ومديري اللعب بالتركيب الديمغرافي للبحرين. وليته يكتب إلى جانبه بماء المسكرات مداخلاتهم في إجهاض الملفات الوطنية.
الهوامش
[1]، [5] محمد حسين كامل، قرية ظالمة، دار الشروق، ط,2009 ,3 ص.55
[2] انظر مقالي، خارج ضمير الجماعة على وصلة صحيفة الوقت
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12787
[3]، [6] انظر تغطية صحيفة الوقت لجلسة مجلس النواب البحريني
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=201677&hi
[4] عطاء الله مهاجراني، مهرجان النار، صحيفة الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=562115&issueno=11438
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
صح لسانك
مقال و لا اروع، بس خل النواب يتفكرون فيه بعمق ودون تعصب
النواب يريدون ان يحققوا اي نصر حتى لو كان بنتائج مستقبليه كارثيه. المجلس بتركيبته طائفي 100% ولذلك المشاحنات التافهه ربما ارادوا ان يقولوا بانهم اتفقوا على شئ ما ليشعروا بالانجاز
سلام
علي، ديري . موضوع 10 على 10 في التنسيق والتسلسل والكتابة أروع لكن المضمون باطل فاسد .
لا أستغرب منك تأيدك شرب الخمر وبيعه ومجاهرتك بحرب االقرآن ذك أن علمانيتك وحداثتك أحدثت عليك وجعلتك سكرانا حتى في الكتابة الصحفية أنت من دعاة الحرية ولكنك لا تصمد أن يأتي رأيا آخر ينافي معتقداتك العلمانية ...ولا أستبعد أن أقرأ لك مقالا تفلسف لنا أبعاد شرب الخمر المكنونة في حداثتك المؤمثلة وتناوش الذئبان في الواقع الأرضي وحول الفلك المقرمش آنذاك في صهلة الرقة المتجابية من الواقع المضطرد في نهاية الأسفلت
الحرية الشخصية عنوان تختلف تفاصيله ونحن شعب حالياً مختلف الديانات والثقافات والأعراق والقوميات واللغات .....
فيجب أن يرعى كل ذلك ولنكن أكثر منطقية في طرحنا لمثل هذه المواضيع ونعرف أن قطاع كبير من الشعب المذكور سيتأثر من جرّاء منع الخمر ناهيك عن خسائر الدولة التي تستفيد إن لم يكن بشكل يومي فبشكل أسبوعي من تدفق الشاربين آسف السياح من الجارة الكبرى وهذا يعتبر دخل أساسي للبلد وإلا سيكون هناك عجز يضاف العُجوز الأخرى في الميزانية.
كما يجب علينا النظر بواقعية حين نهاجم ما يسمى بالدعارة لأنها تدر على اقتصاد الشعب المذكور أكثر ما تدره الخمرة فهي أيضاً تعتبر من الحريات الشخصية والله سبحانه وتعالى خيّر الإنسان فمالكم تجبرونه افتحوا باب الدعارة بقانون ينظم العملية !!!! أليس هذا منطقك يا أستاذ.
مع الأسف منطق أعوج.
نتمنى للجميع الإستقامة.
كنتُ أود أن يجد مايتلاءم و"المضمون" في ما كتبتَ ولكني أجد نفسي لا أستطيع مناقشة هكذا تفاهات.
حاسبكَ الله على قدر نيّتك.
والله اني اخشى أن اسحل كما سحلت هيباتيا، لأني غالبا ماأخرج على أبجديات القبيلة، وعلى اكتتاب القبيلة. انت محق فأين الحرية الفردية فيما يسعون إليه ,أين هم من إعلاء قيم العقل والمنطق الذي سبقهم إليه أجدادهم بمئات السنين، الا يريدون أن يستعمل الانسان عقله ليثاب أو يعاقب بحسب اختياره، ولكن تريد الحق هذا اقصى ما يستطيعه هؤلاء النواب وعلى رأي المصريين ييجي في الهايفة ويتصدر
آسف ولكن أشعر بالغثيان من محتوى ماكتبت
وأنا أقول - والساحة مفتوحة للقول - بأن من كان تخصصه اللسانيات لا يحق له أن يدلي برأي فقهي مثل الديري ، فبدل أن تتعب نفسك يا من تصف الكلمات المتضخمة وكأنك تريد القول بأني مثقف واع ، حل مسألة نشأة اختلاف اللغات التي عجز عنها أرباب اللسان ، واترك الشرع لأصحابه ، فإنك أقل بكثير من استيعاب ابجدياته فضلاً عن تفاصيله ، وعذرا على الكلام ، لأن الساحة مفتوحة للرأي
مقال في الصميم ورائع يا أستاذ على نعم للمثقفين من أمثالك نحن معك. وكنة أتمنه من يسمع ويقرا من النواب ليفهموا الواقع. أن همهم فقط مصالحهم.
تحياتي
بو علي
وأنا طول عمري أقول أهل الدير والله ناس طيبين وبعدين يطلع منهم هذا الكاتب ....... والله أحس كبدي تقلب وأنا أقرأ المقال ماظنيت بيخلص
الله يعينكم ياأهل الدير عليه
لم ننتخب النواب إلا من أجل هذا، فلا تتعب نفسك في محاربة شريعة الله، فلا يمكنك ولا تستطيع!!!
الضفتان سيان، ترفل الأولى بالنبرة، فتصعق الأخرى بالنقرة.
لا بد من معرفة الأسباب التي تغطي الذهب فيبدو حجرا لا قيمة له، نحتاج لمن يدعك مساوئه ويفتح دعاويه لكي ترتخي العيون على اللمعان.
لا أكن للكثرة أي احترام ولا للقلة أي اهتمام، حسبي دربي.
لا ضجيج كالسياسة ولا ثرثرة لمن ادعى الكياسة.
اترك الترياق تنفتح لك الآفاق، لك من الحياة ما تتعلمه في الخلوات لا في الجلوات.
تلك الكلمات مما علمتني الحياة، فأرددها لنفسي تعليما وتدريبا.
المتدروش
عباس
الله يكون بعونك و يساعد قلبك يا علي الديري بعض المعلقين حسبالهم هذا برنامج ما يطلبه المستمعون , لازم إتحللي ليهم اللي يطلبونه, لأنهم الوجيدين الغيورين على الدين !! لاكن ينسون إن بيزاتهم في البنوك الربوية!! و تدخل في بطونهم قبل جيوبهم!
اشكرك على جرأتك و صراحتك .
كم كنت اختلف معك ..يا أستاذ علي الديري..من قبل خاصه في موضوع القوميه العربيه وطرحك الموضوع للمفكر (عزمي بشاره) الا اني بعد هذا المقال العقلاني الموضوعي الجميل وجرءتك في مواجهة هكذا مجتمع , لا يسعني الا ان اعترف لك بالحنكه والدرايه الواسعه وسعة الافق خارج كل تفاهات العقل المنغلق .. العقل الذي لا يريد ان يفهم او حتى يناقش بان الدين متجدد , وان كل ما جاء بعد الرسول الكريم وضعي وسياسي قابل للتباحث والاخذ والرد فيه جائز.وليس حكراً على مذهب أو ورؤى محدده..شكرا لك..
متابع الخميس 25 مارس 2010
عزيزي علي
مقالك عن الخمر مقال جميل فشكرا لك وإلى فكرك وقلمك
وأعانك الله على هجوم المتزمتين
مودتي
فهد حسين
السلام عليكم.. لك ان تكتب ما تشاء وتحلل ما تشاء .. ولكن من قال بان السياسة لا ترتبط بالدين او لا تصلح معه.. فعلي ابن ابي طالب سيرهم في مركب واحد وحكم الناس بالسياسة والدين وشهد له الكاتب المسيحي جورج جرداق.. اما بدفاعك عن الخمر فانت حر في رايك ولكن هناك مائة طريقة لاحترام الحرية الشخصية كما تزعم في مسالة الخمر و الف طريقة تحترم دولة البحرين كدولة مسلمة تتخذ من الاسلام ديانة ومن القران كتاب.. فلا تدور في الدوائر المغقلة وتدافع عن الخمر.. ربما صدقت بان الاسلام مطاط يتسع لكل زمان ومكان ولكن بحدود .. فمعى ذلك باننا يمكننا التزاوج من اليهود والتكاثر بحكم المصالحة و كبح شرهم .. اليس كذلك يا استاذ علي..؟؟؟ كما ترى في الخمر من وجه آخر,,
مسكين أنت وامثالك ياديري ، تتوهون في بطون الكتب وتاخذون ماهب ودب وتعجبون بصنعة اللفظ واللسان تحسبون أنكم المثقفين الذين لا يدركهم الآخرون ، ولكنكم خواء لاترون نور العلم ولا تلجأون لركن وثيق وتحكمون بالباطل ، أرثي لغضبكم على كل مايمت للدين لأنكم مهما صرختم فالدين مستقبل العالم الآتي