صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 21 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:54
الشروق 6:13
الظهر 11:52
العصر 3:06
المغرب 5:31
العشاء 7:01
» أعمدة - ياسر حارب
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
أعمدة
مـنـاجـــاة
ياسر حارب
في فيلمه الأخير ‘’كتاب إيلاي’’ يجسّد دِنزل واشنطن دور رجل اسمه ‘’إيلاي’’ يهيم على وجهه في الخلاء طوال ثلاثين عاماً. فقبل ذلك الزمن، أحدثت اختراعات البشر الصناعية وتجاربهم العسكرية، ثقباً في السماء فدخلت أشعة الشمس بكميّات كبيرة وحرقت كل الأحياء، إلا من احتمى تحت الأرض. في خضم تلك الفترة التي هامَ فيها الإنسان بالآلة وقدسها حتى حلّت محل المعتقدات الدينية، قام الناس بحرق جميع الكتب المقدسة، بحجة أنهم لم يعودوا في حاجة إلى الدين، فلم يبق من الإنجيل إلا نسخة واحدة سقطت في يد إيلاي. وفي كل ليلة، كان إيلاي يقرأ في كتابه المقدّس إلى أن حفظه عن ظهر قلب، حيث كان يناجي ربه بكلمات الكتاب كلّما أراد أن يشعر بالوجود من حوله. ذكّرتني مناجاة إيلاي بمناجاة الراهب ‘’هيبا’’، بطل رواية ‘’عزازيل’’ للكاتب يوسف زيدان، الذي يناجي ربّه أيضاً طوال فصول الرواية ليقوّي إيمانه ويتّصل بالملكوت الإلهي. استخدم كل من هيبا وإيلاي المناجاة كغاية وجودية، ووسيلة لإعادة التوازن لحياة البشر، بعد أن أفنت المدنية كل غصن أخضر يحمل شذرات إيمان متناثرة في نفوسهم، حيث كان الرجلان يعتقدان بأن الإيمان الصافي النقي، وحده، قادر على خلق حياة جديدة نقية كما بدأ العالم. إلا أن الرجلان يصطدمان خلال ترحالهما بأناس يحاولون استخدام الإيمان والكتب المقدسة للسيطرة على البشر، فإيلاي، يجاهد حتى لا يقبض زعيم إحدى العصابات على نسخة من الكتاب المقدس ليسيطر به على بسطاء الناس. فلقد استطاع ذلك الزعيم أن يشكّل مدينة صغيرة من الناجين بعد الإشعاع الذي دمّر الأرض، إلا أنه لم يستطع تكوين مجتمع إنساني، فيبدأ بالبحث عن كلمات الرب، على حد قوله، التي لا يملك البشر إلا تصديقها والانقياد لها، وهو ما يحتاجه ليصبح المهيمن عليهم.
أما هيبا - الذي عاش قبل الإسلام - فإنه كان يستعين بمناجات ربّه ليدحض محاولات الأسقف كيرُلُّس الذي كان يريد تحريف الدين المسيحي، بقوله إن عيسى إله ومريم هي أم الإله، حيث كان الأسقف يسعى لأن يكون هو المرجع الوحيد لتفسير للدين الجديد، فيسيطر بذلك على بسطاء الناس، ويوجههم كيفما يشاء.
عندما يؤمن الإنسان فإنه يسمو بذاته العليا عن ذاته السفلى، ويتحد مع الوجود لينظر من خلاله إلى الحقيقة كما هي، مجرّدة من كل النزعات الإنسانية. فالإيمان شأن إنساني يعيش في قلوب جميع البشر، حتى أولئك الذين ينكرونه. فهو قرين الروح التي نفخها الله في جسد أبينا آدم. فكّر قليلاً، نفخ الله فيك جزءاً من روحه ثم منحك الحياة التي تنبع من تلك الروح، يالعظمتها، كيف لها، وهي المشتقة من الواحد الأحد، ألا تكون في قرارتها مؤمنة به؟ فكّر مرة أخرى، أنت تمشي على الأرض وفيك نفحة من روح الله الذي استوى على عرشه فوق السموات، ألم تستوعب العلاقة بينك وبينه بعد؟
عندما نناجي الله في صمت فإننا نحبّه مجاهرة، وعندما نحبّه مجاهرة فإننا نناجيه في صمت. أن تحبّ الله يعني أن تتفاءل بلقائه، أن تردد اسمه عندما تشعر بإشاراته من حولك. انظر جيداً وسترى علاماته ترشدك إلى طريق ما. في رحلتهما الملحمية، يهرب إيلاي وهيبا من الاعتقال، ثم يسعيان بعد ذلك لكي يكونا أسيرين لدى الله، فمن كان أسيراً عند الله كان حُرّاً، أو كما قال أحدهم: ‘’عندما يحررني الله فلا يمكن لأحد أن يأسرني’’.
عالم إيلاي وهيبا شبيه بعالمنا، نحتاج فيه إلى إيمان نقي مثلما نزل من السماء دون تشويه، فلا يمكن للوسطاء الدينيين أن يصفّوا الإيمان مثلما يصفّون اللّبن، بل كلما تدخّل أحدهم في إيماننا، كلّما زادت شوائبه. لكي ننقّي إيماننا علينا أن نناجي الله لوحدنا كل يوم، نمجّده، نعترف له، وقبل كل ذلك، علينا أن نحبّه، فلا مناجاة دون حب، ولا حب دون مناجاة.
يقول المؤرخ الإغريقي بلوتارخ: ‘’من الممكن أن نجد مدناً بلا أسوار، أو ملوكاً، أو ثروة، أو آداب، أو مسارح. ولكن لم يرَ الإنسان قط مدينة بلا معبد’’.
هنا، أضع قلمي وأناجي: ‘’في سكون العتمة، وفي غابر الظلام، ها أنذا، أرفع يدي إليك في خلوتي التي لم تكن باختياري. أعلم أنّك معي، لأنك نفخت روحك فيّ في بادئ الزمن. يا من أعصيك فتغفر، وأؤذيك فتصفح، وأغضبك فترضى. ما أنا إلا ورقة يابسة، أسقطها ثقل الذنوب، فتلقّفتها يد رحمتك، وفَتَقَها لهيب الخطوب، فَرَتَقَها صبيب كرمك.. يا الله، لا أعلم لك سمياً، تقدّس اسمك، وتبارك ملكوتك. يا من يغفر ذنبي قبل وقوعه، ويقبل دعاء قلبي قبل خشوعه. أنت النور الذي أضاء الثرى والثريا، وأنت الهادي الذي لم يجعلني جبّاراً عصياً... أسكنت روحي هذا الجسم البالي، فلا أبالي، أيّان يفنى، وأين يبلى، ما دامت روحي صائرة إليك. إلهي، ليحلّ نورك مكان بصري، ولتحل كلماتك مكاني سمعي. امنحني الإيمان مع الحياة، وامنحني السلام مع الموت... في سكون العتمة، وفي غابر الظلام، ليكن نورك الأبدي، فلقد حطّت رحالي عند بابك’’.

- كاتب إماراتي

 التعليقات

تعبر عن روح الايمان باسلوب مميز وجميل ... فكلماتك عبرت مر في موضوع سابق عن حيرات الموت وها انت اليوم تجد جوابها يقينا بما انت صائر له من الغبط والسرور ان عرفت كنهه واشتغلت به عما سواه ونفيت كل المدعين معرفته.

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي