|
|
» أعمدة - محمد العسومي
أعمدة
استحقاقات التكامل الخليجي
محمد العسومي
بعد ثلاثين عاما تقريبا من انعقاد القمة التأسيسية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في العاصمة أبوظبي تجاوزت فيه دول المجلس الكثير من التحديات والصعاب الاقتصادية والسياسية والأمنية، وبالأخص الحروب الطاحنة في المنطقة التي استمرت لسنوات طويلة، فإن دول المجلس تقف الآن أمام تحديات جديدة، تتمثل في الارتقاء بالعمل التعاوني والذي تميز حتى الآن بالمصادقة على اتفاقيات إجرائية أو استشارية بصورة أساسية حتى وصل إلى قضايا سيادية.
وتكتسي هذه القضايا أهمية كبيرة لكل دولة، كما أن اتخاذ قرارات بشأنها ربما يستغرق المزيد من الوقت والجهد، على العكس من القرارات الإجرائية، وإذا ما أخذنا منطقة التجارة الحرة على سبيل المثال، فقد طبقت دفعة واحدة في الاتحاد الأوروبي وكذلك في مجلس التعاون، أما الاتحاد النقدي، فقد انضمت إليه إحدى عشرة دولة في بداية تطبيقه في المجموعة الأوروبية، فيما انضمت أربعة بلدان في فترة لاحقة ليصل العدد إلى خمسة عشر دولة في الوقت الحاضر من بين سبعة وعشرين عدد البلدان الأعضاء في الاتحاد، أي انه لا زال هناك أثنا عشرة دولة خارج الاتحاد النقدي أو خارج ''اليورو'' حيث تتفاوت الأوضاع المالية والنقدية بين دولة وأخرى من دول الاتحاد الأوروبي، ويعتبر ذلك قضية مفهومة في ظل التكتلات الاقتصادية.وربما تشبه المجموعة الخليجية ما هو موجود في المجموعة الأوروبية حيث تتطلب القضايا السياسية المزيد من البحث والتروي، وهذه مسألة طبيعية، إذ انه من الأهمية بمكان أن تمضي دول المجلس قدما في القضايا الأخرى، حيث أقرت دول المجلس مجتمعة في القمة الأخيرة التي عقدت بدولة الكويت في بداية الأسبوع الماضي عملية الربط الكهربائي ومشروع السكك الحديدية وجرى الاهتمام بموضوع التعليم والصحة والأمن المائي، فيما صادقت أربع دول على تأسيس مجلس النقد، كما كان هناك اتفاق تام على مواجهة التحديات الأمنية وهذه قضايا متفق عليها بين دول المجلس بصورة تامة.
وفي موضوع السكك الحديدية يشكل قطار الاتحاد بدولة الإمارات نواة قوية للقطار الخليجي الذي أفردت له مسارات خاصة ضمن جسر البحرين - قطر والذي يعتبر أطول جسر في العالم والمتوقع أن يبدأ العمل في تنفيذه مع بداية العام القادم 2010 على أن تضاف مسارات مماثلة لجسر البحرين - السعودية ليرتبط كل ذلك بقطار الاتحاد.
أما الربط الكهربائي فسوف يعمل على ضمان إمدادات الكهرباء لكافة دول المجلس، وبالأخص في أوقات الطوارئ، وذلك بالإضافة إلى توفير مبالغ طائلة بفضل تخفيض تكاليف الإنتاج والاستفادة من الطاقات الفائضة، إذ من المعروف أن الطاقة الكهربائية لا يمكن تخزينها ولا بد من استهلاكها حال إنتاجها، مما يؤدي إلى فقدان طاقة كبيرة يمكن الاستفادة منها في حالة الربط الكهربائي بين دول المجلس.
لذلك، فإن دول المجلس تتعامل مع التفاوتات في وجهات النظر بروح حضارية ومسؤولة، كما أن الخلاف في موضوع بعينه لا يعيق التعاون والتنسيق في القضايا الأخرى موضع الاتفاق، وهذه مسألة راقية لم نشاهدها في العالم العربي الذي جمد تعاونه الاقتصادي عقودا طويلة لأسباب غير اقتصادية. ويعتبر ذلك بحد ذاته تطورا ايجابيا كبيرا في آلية عمل المجلس وفي نضوج العمل الخليجي المشترك.
إن مرحلة النضوج التي وصل إليها المجلس تشكل ضمانة قوية لاستمرار تطوره في المستقبل، خصوصا وأن دول المجلس تحولت إلى قوة تفاوضية عالمية استطاعت أن تحقق العديد من المكاسب للبلدان أعضاء في التكتل الخليجي من خلال توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع العديد من البلدان الكبيرة والتكتلات الاقتصادية، وذلك إضافة إلى كونها المصدر الأول للنفط في العالم، علما بأنها تستضيف في مدينة أبوظبي المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة ''ارينا''.
لقد أصبحت اقتصادات دول المجلس أكثر ترابطا وتكاملا خلال الثلاثين عاما الماضية، حيث ساهمت الاتفاقيات الاقتصادية في ترسيخ التعاون الخليجي والذي سار بصورة بطيئة ولكنها ثابتة، إذ لا زالت الطموحات كبيرة كما أكد على ذلك قادة دول المجلس والذين صرحوا جميعا من أنهم يسعون إلى زيادة التعاون والارتقاء به إلى مستوى الطموحات المعلنة، وهو ما تم التعبير عنه من خلال تنفيذ ما اتفق عليه بشان التكامل في مجال الطاقة الكهربائية والنقل، وهي مواضيع مهمة لقيام بنى أساسية خليجية تتيح المجال أمام إقامة مشاريع تنموية مشتركة واندماج الاقتصادات الخليجية ونقلها لمرحلة متقدمة من التعاون والتنسيق الاقتصادي.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |