صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
جزئيا غائم جزئيا غائم. 32 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 3:35
الشروق 5:02
الظهر 11:45
العصر 3:14
المغرب 6:26
العشاء 7:56
» أوان الوقت - باسمة القصاب
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
أوان الوقت
الكون بوصفه متمرداً «2»
باسمة القصاب
''تاريخ العلم، هو صراع بين وحدة يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر في إطارها، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار''. الصراع يأخذ شكل حوار أو رفض أو تمرد أو كشف أو تناقض أو تداخل أو جدل. كلما أتى العلم بإطار (قانون) جديد ليقحم الكون فيه، ازداد الكون تمرداً وتبعثراً وتفرقاً ليكشف أن هذا الإطار ما هو محطة عابرة في تاريخ فهمه ومعرفته، وأنه سائر إلى نحو آخر أكثر إلغازاً وإبهاماً..

(4)
في المرحلة الأخيرة منذ حوالي 1875 إلى وقتنا الحاضر. يتراجع الاعتقاد بميكانيكية الكون وتحضر فكرة ديناميكيته. الكون لا يعود آلة ضخمة كبيرة كما في المرحلة السابقة، ولا نظاماً دقيقاً صارماً يسير وفق قوانين طبيعية محتومة في حركة خطية مطلقة. الكون الآن هو مجموع التفاعلات المكونة له. هذا ما يذهب إليه آينشتاين الذي قوّض بنسبيته الأسس العلمية التي سبقته. فالمكان والزمان حسب آينشتاين لا وجود لهما خارج العناصر المادية المكونة لهما والمتفاعلة فيهما. الفضاء الخالص لا وجود له، بل هو العدم بذاته، ولا يمكن تصوره إلا إذا كان يحتوي على النجوم والكواكب والسيارات والشهب والنيازك والإشعاع والسدائم والغاز والغبار وحقول التجاذب، وجود الفضاء مرهون بوجود محتواه من المادة والقوة، فمحتواه هو الذي يجعله هو هو، وهو الذي يسبغ عليه خصائصه. [1]
نسبية آينشتاين صاغت الكون بما يحتويه من مكونات، وما يعتريه من أحداث وانفجارات واعوجاجات واختراقات، لا بما يرصده له الإنسان من قانون ثابت. آينشتين الذي أوقف حياته كلها على اكتشاف قوانين الطبيعة، يعترف أخيراً ''أشد الأشياء استغلاقاً على العقل في هذا العالم، أن العالم يمكن تعقله''. ينهزم العقل أمام الكون المستغلق على أن يُفهم أو يعقل أو يقنن ضمن قانون ثابت. فالثابت أنه ليس هناك ثابت في الفهم الإنساني للكون.
ربما أمكننا أن نقول، إن (الكون) ارتاح لوصول الإنسان أخيراً لهذه النتيجة. وكأنه عبر تمرداته الطويله وصراعاته التي أوقع فيها عقل الإنسان، كان يريد أن يوصله إلى مثل هذا. أن الكون وجودٌ قائمٌ في (حياة) لا في (آلة). أنه كائن متفاعل لا آلة صماء. القانون ليس سوى آلة، طالما أنه يريد أن يُلجم حركة الكائن الحرة والمتفاعلة. الكون لا يعبأ بما يريده منه الإنسان أن يكون. هو كائن فقط بما هو. وعلى عقل الإنسان أن يتقبله كما هو، بكل ما فيه، لا كما يريد. يقول فرنل:''إن الطبيعة لا تعبأ بالصعوبات التحليلية ولا تكترث للصعوبات الفلسفية ولا لقوانين المنطق بل ولا لمقتضيات الفيزياء. إنها تعمل والسلام. أما القول بأن فكرة من الفكر لا تكون صحيحة إلا بمقدار ما تنطق عن عقولنا فهو هراء من هراء، لأن ذلك معناه أن الكون قد قُدّ بالضرورة وفقاً لمقولات عقلنا وإنه يحرص على الانسجام مع مطالب فكرنا. فليكن الكون ما يحلو له أن يكون، وما علينا إلا أن نسجل ما نسمع ونرى''[2].

(5)
التحول بعلاقتنا مع الكون من (أن يكون وفق ما نرى) إلى علاقة (أن نسجل ما نسمع ونرى)، يجعل من الكون حضوراً دائم الدهشة والإبداع والإمتاع. دائم التجلي في حكمة وجمال خارقين. إن الكون المتحرك وفق ما يُراد له (الكون الآلة)، هو كون معروف سلفا من أين يبدأ وإلى أين يسير. ولهذا، هو فاقدٌ للقدرة على إدهاشنا، فاقد أن يكون حدثاً غير متوقع، فاقد أن يربك توقعاتنا واستنتاجاتنا. أما الكون الذي يتحرك وفق ما يُريد (الكون الحي)، فهو كون يبتكر نفسه بنفسه كل يوم، لهذا نحن في ترقب ما يفاجئنا ويدهشنا ويخترقنا ويسحرنا، نحن في تواضع ما يأتيه من أفعال وردود أفعال. لهذا كان آينشتاين يرى أن الإحساس الصوفي بنواميس الكون هو نمط عميق من التدين. هذا الإحساس يجعلك في دهشة ما لا تدرك وما لا تصل إليه. يقول:''إن أجمل انفعال يمكن أن تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي. فهو أصل كل فن، وكل حق. معرفتنا أن ما لا ندركه موجود حقاً ويتجلى حكمة وجمالاً، وأن ملكاتنا الفقيرة لا ترى منه غير أشد صوره فجاجة، هذه المعرفة وهذا الشعور، هما محور الشعور الديني الصحيح. بهذا المعنى، وبهذا المعنى وحده، أضع نفسي في مصاف الرجال المتدينين تديناً عميقاً''[3]
ملكاتنا الفقيرة لا ترى من الكون غير صورة سطحية فجة: آلة صماء مطيعة ومستجيبة ومنفذة لقرارات غيبية نافذة، أو لقوانين ثابتة مفترضة، لكنها ليست ترى منه ذلك الوجود الغامض الجميل المشبع بالحكمة، والنافذ بالبصيرة البعيدة، والقادر على التحكم والاختيار وفعل ما يريد وما يرى، مما قد لا يراد، ولا يُرى له.

(6)
الإطار ذاته الذي أُريد للكون عبر التاريخ أن يُقحم فيه، هو ذاته الذي أُريد للإنسان (الذي هو أشبه ما يكون بالكون من حيث الاستعصاء والاستغلاق والتمرد والتفرق والتبعثر والتشتت) أن يُقحم فيه عبر التاريخ أيضاً. يتشابه التاريخان حتى يبدوان منسجمين ومتطابقين تماماً. تاريخ الإنسان صراع مماثل بين إطار (جماعة، ثقافة، معتقد، نظام) يراد إدخال أكبر عدد من الأنفاس فيه، وبين أنفاس مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول فيه. وكما أن فهم العالم وتعقلنه صعب مستغلق، كذلك الإنسان الذي هو عالم صغير، صعب أن يفهم وأن يحصر في إطارات ثقافية تفرض عليه مسارات حياته وتفكيره.
تقرر اُطر الثقافات والجماعات: الإنسان ابن شرعي لقانون واحد فقط، ولإطار واحد فقط، و ما سواه خارج عن شرع الفطرة التي تسير عليها الخليقة. تحمل كل ثقافة (وكل جماعة) إطارها الواحد وتمضي به نحو العالم. تحاول، لتقنع العالم بمثالية إطارها، أن تفسر الإنسان وفق نموذجها، أن تُدخل أكبر عدد من الأنفاس في (غايات) إطارها. تمرد الكون أوصل العلم إلى استحالة التعامل معه كآلة ضخمة، أو كإطار ثابت، بل كوجود حر فاعل متفاعل. لكن هل استطاع الإنسان أن يوصل الأُطر التي تريد ضمه في داخلها، إلى استحالة التعامل معه كآلة؟ وأنه تماماً مثل الكون، يفعل ما يعي ويُريد، وأن علينا فقط أن نسجل ما نسمع ونرى، وننشغل بفهم الإنسان والعالم، لا الحكم على أي منهما؟
والأُطر، بملكاتها الفقيرة والعاجزة عن إدراك الجمال والحكمة الكامنين في الإنسان، هل ستكف عن أن ترى الإنسان بغير تلك الصورة (الفجة)؛ أنه غير قادر على السير دون (إطارها) المحدد له سلفاً، والمطلوب منه أن يكون على مقياس نموذجه أبداً؟!!


هوامش:
[1]، [2]، [3]. آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص.156 ,83 ,130

 التعليقات

جريمه (بالمعنى الكوني), أن أخدش هذا النص .. بمداخله أوتوضيح أوحتى أيماءه .. أدعه لنفسي, لألوكه وأستسيغه خبزا"..

وإذ أقرأ مقالات المندهشة-التأملية، أو التأملية-المندهشة، القصاب فأني أفضل الاستماع إلى مقطوعتي المفضلة "بُحيرة البَجَع" لتشايكوفيسكي. وهو أمرٌ يتيح لي فرصة التأمل العميق في مقالاتها العميقة و الرائعة.

هكذا الطروحات التي تكتبها هذه الأنسانة ذات الحس الأنساني العميق البعيد عن الجدل العميق وغيرها لامعنىً لها!.

إن القصاب أنسانةٌ تيحث عن كينونة الأنسان أينما كان وكيفما يكون. وفي بحثها عن كينونة الأنسان تُعلن القصاب عن وفائها لأستاذنا الأجل سقراط (أول شهيدٌ للفكر الحر). فأستاذنا الشجاع الذي تحدى أثينا العملاقة ودهاقنتها أكد على تلامذته ضرورة التنشأة الاجتماعية التي تستند إلى مبدأ الحكمة والبحث عن الحقيقة.

ولكن المندهشين التأمليين-السقراطيين لن يعيشوا بسلام. فمازلت أثينا، التي إضطهدت أستاذنا الشهيد سقراط، تحاول جلّ ماتستطيع للنيل من المندهشين-التأمليين، الباحثين عن الحكمة والحقيقة. أدعو الله ان يحفط القصاب من ألسنة السوء الأثينية المنحى!

أيها المندهشون-التأمليون إتحدوا!

جعلتيني أنتظر تتمة مقالتك كثيرا وبشغف التهمه نظري... ولكن بتأني كما المتنفسس تحت الماء.. يأخذ انفاسه للبقاء طويلا كي لا يقاطعه أحد... بسعة الكون أحب سعة تراكيبك .....ماهذاااااااااااااا يافراشة؟؟؟؟؟؟؟

اسطورية انت دوما ايتها الفراشة

سلام الله عليكم

من الجميل أن اشاهد صورا علميه بمقالات عربيه
قد يتسائل البعض ما الذي تكتبه هذه الكاتبه .. والبعض والقليل منهم المهووسين بنيوتن وانشتاين يجد المتعة في قراءة مقالات من هذا النوع ..
واذكر وانا المعجب بأنشتين والملايين تعجب به بأنه شق دربا نسبيا فلسفيا استطاع العلم من خلاله ان يتسارع ويتسارع ويتسارع

جانب من شخصية انشتاين .. قيل عنه انه متدين من اصل يهودي وقيل انه لا يميل الى الاله الشخصي وفكرة الاديان كاملة ويؤمن بالاله سبينوزا وهي الطبيعة ..
لكن هذه الفكرة رفظها تلامذة انشتاين بما عرفوا عنه من تمسكهو وتزمته للدين اليهودي ولكنه تزمت بالرياضيات اكثر من الدين فأبدع ابداعا لا نظير له ..

تمنياتي بأن تستمر المقالات العلميه عن الكون عن العلماء الذين هم وحدهم من رفعوا مستوى الانسان واثبتوا بعدم محدودية المعرفه

بعد أن شـــبعت ورتويت خبزا" وماء" زلالا وكأني قاطع الربع الخالي تعبا" وجوعا" وعطشى , ماذا تفعلي (لمشاغب) لا يفعل 10% مما يقول .؟! وهو لا يحده جلد..لمعرفته بأنه ينتمي لهذا الكون (الغير ملتزم)..أعود وأعلق..كثيره هي العقول والنظريات والقوانين التي أنشغلت في غايات تأطير وتحكم الكون وقد صابت وخابت في أحيان , وكثيره هي النظريات التي تيقنت بالوصول الى الكون الحيوي , بعد أن قاربوه بالنسبه والتناسب الى أضعف غايات البشر بكونه بشر متكون ..التقوا عند نقطه (وانه تماما" مثل الكون ,يفعل ما يعي ويريد, وأن علينا أن نسجل ما نسمع ونرى, وننشغل بفهم الانسان والعالم, لا الحكم على أي منهم؟) أذا" علينا أن ننشغل بفهم الانسان والعالم , ولكن منذا الذي ينشغل بفهم هؤلاء (المنشغلون) وهو يفسر بجلاء المنهج الاستقرائي الذي أتى به(بيكون) لادراك الحقائق(الواقع أن ما يدركه الانسان بعقله وحواسه هو صوره عن نفسه منه تصويرا" للعالم الخارجي , ما العقل كألمراّة الملتويه التي تمزج صورة نفسها بصورة الاشياء التي تصورها فيصيبها بالفساد والتشويه)فأذا كانت العلاقه الثنائيه الجدليه المعقده بين طرفين حيويين, بمجرد نقاش نصي , تصل الى عقلانيه بين ثلاثة أحياء (الكون والانسان وأنسان ألانسان) لذلك أنهي التعليق والجدل حتى لا أصل (على قولكم) الى (هوشه) ...

شكرا باسمة

يقول توماس كوهن "كل اختراق مهم في الجهود العلمية هو في المحل الأول اختراق للتقاليد, وللطرق العتيقة في التفكير, والتصورات التي عفى عليها الزمن". شكرا باسمة على اختراقاتك الفكرية الجميلة..

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي