|
|
» أعمدة - عبدالجليل النعيمي
أعمدة
بين نموذجي الاقتصاد الطبيعي والمالي
عبدالجليل النعيمي
عندما يتحدث الاقتصاديون العلميون عن حتمية انهيار النظام النقدي والمالي العالمي الحالي تحضر في أذهانهم على الدوام مشكلتان رئيسيتان، تاريخيتان وحضاريتان في الوقت نفسه: النظرية النقدية كنموذج اقتصادي مالي، ونظرية ‘’النوسفير’’ حول شحة الموارد ومتطلبات حماية البيئة للمفكر الروسي الكبير فرنادسكي.
محلياً، كما الحال عالمياً، لا يمكن حصر الأزمة الحالية والتغلب عليها من دون حل هاتين المشكلتين. فالأزمة بعمقها تطرح تقابلا حديا بين نموذجين اقتصاديين: إما الاقتصاد الطبيعي أو المالي. النموذج الطبيعي هو ذلك الذي انطلق منه الرئيس روزفلت في أميركا، ثم عم العالم بعد الحرب العالمية الثانية (في فترة متأخرة شهدنا نموذجاً قريباً إلى حد ما في البحرين في ستينات - سبعينات القرن الماضي، حيث ظهرت صناعة الألمنيوم والبتروكيماويات). أما النموذج النقدي (المونيتاري) فهو ذلك الذي أطلقه الرئيس الأميركي ترومان ورئيس الوزراء البريطاني تشرتشل في 13 أبريل/ نيسان 1945 (مباشرة منذ اليوم التالي على وفاة الرئيس روزفلت) وهو النظام الذي عكس المصالح الأساسية للطغمة (الأوليغاركية) المالية البريطانية أساساً. وكانت هذه هي بداية الطريق نحو الريغانية في الثمانينات التي أطلقت سلطان المال في الاقتصاد (مع هذه المرحلة تزامن توقف عملية التصنيع في البحرين وتزايد نشاط قطاع المال والخدمات). وهناك وهنا، هذا من جملة ما أدى في نهاية المطاف إلى الأزمة التي يتخبط فيها العالم.
يقتضي الخروج من الأزمة الراهنة القطع مع النظام الاقتصادي المالي والعودة لبناء نظام جديد للاقتصاد الطبيعي - الإنتاجي وفقاً لأحكام مفاهيم فرنادسكي بحسن التحكم بالموارد الطبيعية والأرض وحماية البيئة. بكلمات أخرى، علينا أن نبحث وننتقل إلى مصادر للطاقة وأشكال لتسيير الاقتصاد أكثر تقدمية. ومركب هذين الخيارين سيحدد حالتنا وموقعنا سواء في المرحلة الراهنة أو المقبلة، الأكثر حدة للأزمة العالمية.
وكما أوجد نموذج الاقتصاد المالي الأميركي تناقضا قاعدياً بين الآليات العاملة والأفكار الرئيسية التي وضعت في أساس الاقتصاد الأميركي بالشكل الذي صاغه ألكسندر هاملتون وأقره الكونجرس في حينه، كذلك فإن تطور اقتصادنا اتجه بعكس اقتصاد السبعينات وانتقل إلى التركيز على تنمية الكتلة النقدية والمشتقات، ما شكل تربة خصبة لظهور ‘’فقاعات مالية’’ واختلالات قاعدية أدت إلى اغتناء الأوليغاركية المالية مع حدوث تقلص كبير في إسهام الإنتاج المادي في تكوين الناتج المحلي الإجمالي.
ومع ذلك نجد أن الخطاب السياسي يكثر الحديث عن إعادة إنعاش الاقتصاد بالنمط الذي كان عليه قبل الأزمة. أكثر من ذلك، أصبح يُنظر إلى مؤسساتنا الصناعية وإلى الأرض نظرة تغلب عليها المركنتلية. بكلمات أخرى: كم ستجلب خصخصة المؤسسة الإنتاجية من المال حتى لو بيعت للشركات الأجنبية؟ بكم ستباع مشروعات ‘’المدن العقارية’’ بعد الانتهاء من بنائها فوراً؟ من هو الكادر القادر على تسويق هذه المشروعات، ولو كان أجنبياً ليحل محل الكادر القادر على حسن إدارتها، ولو كان محلياً؟
ما حدث وما يدور بالنسبة لشركة ألمنيوم البحرين ‘’ألبا’’ يرسل إشارات قوية بهذا المعنى. وتحديداً حول مستقبل الصناعات القائمة وحتى مصير الثروات الطبيعية، خصوصاً بعد ما يقال عن اكتشافات واعدة، والتي قد ينظر إليها هي الأخرى أساساً من منظور الاقتصاد المالي، لا الطبيعي.
نعتقد أن هذا الطريق لن يفضي إلى نتيجة إيجابية للخروج من الأزمة. ما يجب عمله هو إحداث انعطافة بنيوية نحو الاقتصاد الطبيعي. وبعكس ذلك فليس أمام النمط الحالي (الذي يطلق بأقصى ما يُمَكِّن حرية السوق واحتكاره غالباً على أساس الكتلة النقدية وانعدام الضرائب وإضعاف تدخل الدولة وتقليص البرامج الاجتماعية) سوى استنفاد كامل إمكاناته مع الزمن، حتى ولو ضخت كميات هائلة من الكتلة النقدية في ‘’المؤسسات الصديقة’’ ذات الطابع المالي.
ما يمكن أن يشكل مخرجاً حقيقياً من الأزمة هو تغيير النظام النقدي - المالي الحالي. فهذا النظام كما يصفه عالم الاقتصاد والسياسة الأميركي البارز لندن لاروش ‘’هو طاعون العالم المعاصر’’. ومن أجل التخلص منه يجب أن نخضع النظام النقدي لسلطة الدول السيادية.
- كاتب بحريني
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
التذبذب الذي تشهده الحركه الاقتصاديه في البحرين بين الصعود البطيئ والهبوط السريع للاحتياطات النقديه له عواقب مخيفه بالنسبه للتضخم وارتفاع الاسعار ففي خلال سنتين انخفض المعدل من 0،7 الى0،4 مع زياده الطلب على المواد الاستهلاكيه وانشائيه وغيرها من الاستهلاك الشخصي , هذا والدولار على حافه الهاويه وبعد الهاويه واصرار الدول الخليجيه على التعامل به قد يوقع فاجعه غذائيه في حوض الخليج العربي
عبد علي عباس البصري الأثنين 2 نوفمبر 2009
موضوع مثير جدا وفي محله. إن عالمنا العربي في أمس الحاجة إلى نقاش علمي عن الاقتصاد وليس قصور في الهواء أو بورصات متخمة بالأوراق المالية لكن شعوب فقيرة