|
|
» أوان الوقت - باسمة القصاب
أوان الوقت
لحظة يبدأ النهار..
باسمة القصاب
يروى أن معلماً جمع تلامذته وسألهم: كيف نعرف بدقة اللحظة التي ينتهي فيها الليل، ويبدأ فيها النهار؟
أجاب أحد التلاميذ: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين النعجة والكلب!
أجاب آخر: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين الزيتونة والتينة!
هز المعلم رأسه وقال: ليست هذه هي اللحظة التي ينتهي فيها الليل ويبدأ فيها النهار. بل عندما يقترب منا شخص غريب، ونخلط بينه وبين أخينا، وتختفي الصراعات، يكون الليل قد انجلى، والنهار قد طلع.
ما الفرق بين لحظة التلاميذ ولحظة المعلم؟
لحظة التلاميذ: (أن تميِّز) من بعيد. ولحظة المعلم (أن تخلط) من قريب.
التمييز هو فصل متعمّد بين الأشياء. ولحظة (أن تميز) هي لحظة احتفاء بهذا الفصل. يقوم التمييز على شروط تنبذ التشابه وتوطِّن الاختلاف. لكي تميز، أنت لا تنظر إلى ما تشابه ولا تعره اهتمامك، أنت تنظر فقط إلى ما اختلف. يكون جهة فصلك.
في لحظة (أن تميز)، أنت تذهب بعيداً عبر الزمن، إلى تاريخ الإنسان الطويل. ذلك التاريخ المتشابهة قصصه، أحداثه، مروياته، تراثه، أساطيره، حكاياته، وأفعال الإنسان فيه، تدخل صراعاته، خلافاته، حروبه، نزاعاته، وتخاصماته، لكنك لا تفعل ذلك، من أجل أن تعيد قراءة تراث الإنسان الطويل وتاريخه، ولا من أجل أن تصحح ما أعوجه هذا التاريخ في حاضرك، ولا من أجل أن تكشف وهم التاريخ ونقصه ومشكلاته ومآزقه، ولا من أجل أن تخضعه لنقدك ودراستك وتحليلك، ليس لهذا تذهب، بل لتحضر الليل إلى نهارك، تحدد عبر هذا التاريخ صفك وصنفك وطريقك وطريقتك وحاضرك ومستقبلك. تأتي بصراعات التاريخ (البعيدة) إلى حاضرة نهارك. ستميَّز الآخر حسب عرقه أو دينه أو مذهبه أو معتقده أو انتمائه. وستستدعي خلافكما الذي أسس له ليل تاريخك. تستند على ماضٍ بعيد لم تعشه، تمارس فصلك وفق شروط لم يصنعها وعي لحظتك الآن، بل وعي ليل سابق عن قدوم ضوء نهارك. في لحظة (أن تميز) أنت في إعادة مستمرة لإنتاج الاختلاف والصراع. الصراع هو ماضيك (الليل)، وحاضرك (اللحظة)، ومستقبلك (النهار).
أما لحظة (أن تخلط)، فهي لحظة تبحث عن شيء آخر. تبحث عن الإنسان المتشابه الذي فيك. هي لحظة مدركة للاختلاف. لكنها معنية بالخلط وتذويب الصراعات. أنت لست في جهل الاختلاف، بل في وعي الصراعات الناتجة عنه. هذه اللحظة تحمل الاختلاف من ليل التاريخ وظلامه، من وعي جماعات الماضي المدججة بالصراع والاختلاف، وتأتي به إليك كي تراه بوعي إنسانك الحالي. تجعلك تعيد قراءته في ضوء نهارك، تقدم قراءة جديدة ومختلفة لتاريخ الإنسان الديني، السياسي، الثقافي، والاجتماعي. لحظة (أن تخلط) هي لحظة وعي متقدم بالاختلاف وبالصراع الإنساني الممتد على طوال التاريخ البشري. أنت قريب، لا من أجل عيش هذه الصراعات والامتداد بها، بل من أجل فهم هذا التاريخ وفهم الإنسان الذي شكل مسيرة العالم.
في لحظة (أن تخلط)، أنت تذهب لتبحث عما يجعل التاريخ مرآة تريك، لا أسر يسجنك. الليل هو الظلام الذي يفصلك عن العالم، والنهار هو الضوء الذي يجمعك بالعالم.
الخلط هو جمع متعمَّد. ولحظة (أن تخلط) هي لحظة احتفاء بما يجمعك عليك. أي بما يجمع إنسانك على العالم. وهو جمع لا يصنعه وعي سابق لا إرادة لك فيه، بل يضعه وعي لحظتك التي تعيشها الآن، اللحظة التي تدرك حاجتها وضرورتها ومستجداتها. اللحظة التي منها يبدأ نهار التسامح والتعايش، وينتهي ليل الصراع.
في لحظة (أن تخلط) أنت تدرك تماماً أن ‘’الإنسان مشروط بالتاريخ’’، لكنك في الوقت ذاته، تدرك أن الإنسان ‘’لا يصير نفسه حقاً إلا بقدر ما يخترق هذه الشروط ويتخطاها’’، كما يقول أدونيس. وكما يخترق الضوء قاعدة الليل ليتخطى ظلامها إلى نهاره، كذلك لن تبدأ لحظة نهارنا إلا بقدر ما نخترق من شروط الفصل والتمييز، ونلاءم من مساحات الجمع والخلط، وإلا فليس ثمة نهار، بل ليل آخر.
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
مقال رائع حقاً
وأضيف من عندي هذه النصيحه:
استيقظ مبكراً.. مارس الرياضة.. وتناول قهوتك الصباحية بعد أن تقوم بإضافة القليل من السكر المقشّر! نعم، قم يتقشير السكر!!.. أليس من الجميل أن نخترع شيئا جديداً؟
ثم اجمع قليلاً من الضوء..
واخلط ذلك جميعاً.. وابتسم... فقد تستيقظ كـ أنت لا شريك لك في نفسك!
تحياتي
أنا يبدأ النهار عندي كلما طل أحدكم علي وقال: صباحك نهار ضوء لا نار في جوف النور. فقط ضياء روح لاتخفت... دام نهارك بضوء مهاراتك التي تجلجلني وتتخللني مع النبض يا ناسجة الحروف لنا رداء فكر ونافذة ضوء...مقالة رائعة.. أحب صباحاتك...
تجليات صوفة رائعة وعميقة. ولكننا نحلم بطفولة مفقودة وعمرا مهدور !!
فهل لنا ان نزين اكفنا بالورود ونغمرها بالحلوى ونستلقي فوق غيمة ونغمز للقمر ونشاغبه مثل اطفال سعداء لم يبقى ما يدهشهم سوى مداعبة القمر !!
سيدتي الكاتبه ..اني معجب جدا" بكتاباتك الفلسفيه الجميله وهذا الانتقال الموزون في ربط الفكره والتحرك بسلاسه على مناطق الربط ولايحاء ,,,, فلسفه راقيه, كيف توصلتي من خلال (الخلط) دون (التمييز)الى تحقيق كل هذا الفرز المدرك ..؟عدا ملاحظات بسيطه مثل,,لحظة (ان تخلط) هي لحظة أدراك ووعي فكيف يكون يبحث عما يجعل التاريخ مرآة , ولا أسر له.. ثم ان كثير من الجمل كان ممكن الاستغناء عنها,مثل (وعي سابق لا أرده لك فيه), ويكو, لاأرادي..! ولك كل الشكر والتقدير ...سيدتي.,
عابر سبيل الثلاثاء 29 سبتمبر 2009
تحياتي للكاتبة المتألقة عندما أقرأ كتاباتك أقف بكل أجلال وإحترام لكل كلمة تنبع من قلمك الصخي الكريم ومن هنا ينبعث حيرت العقول لروعت الجمال فشكرا لك ولقلمك
سكينة علي الثلاثاء 29 سبتمبر 2009
باسمة
عباراتك جميلة، ممتعة، تقع خارج إطار المألوف والساذج السطحي الذي تتحفنا به بعض الكتابات. لاشك قد تولد من معاناتك لكتابة "ظفار الآن" وما تمثل حيالها من ردود أفعال صامتة أو مبهمة/مضمرة أو مفصحة عن نفسها بجلاء، كل ذلك يهم وقد لا يهم. الماثل إنك تقترحين عدة نوعية ربما لإعادة قراءة ما تمت قراءاته على عجل لـ "ظفار الآن" وربما حتى إلى "كالتي هربت بعينها". إنك تؤشرين لمن قرأ وسيقرأ لك أو لغيرك في كل الأحوال والظروف، إلى أن لحظة الخلط لمن يريد أن يعلمنا التاريخ "وربما تاريخه الجمعي والسياسي" أن يتوسم فيه إعادة قراءة ذلك التاريخ في ضوء نهاره، يقدم قراءة جديدة مختلفة لتاريخ الإنسان الديني، السياسي، الثقافي، والاجتماعي، يفترض أو هكذا فهمت، في هذه اللحظة التي يخلط فيها أن تتمثل عنده لحظة وعي متقدم بالاختلاف وبالصراع الإنساني الممتد على طوال التاريخ البشري، يفترض فيه وهو يخلط أن لا يسعى لكي يعيش تلك الصراعات والامتداد بها، بل يسعى لفهم التاريخ والإنسان الذي شكل مسيرة العالم.
باختصار عزيزتي لكي يصل من يصل لمرحلة الخلط والتمييز ويتمثل دوري (التلميذ والمعلم) إن صح التعبير، يفترض أن يتسلح بوعي ومعرفة علمية متجردة من الانتماءات الطائفية والمذهبية والحزبية ووو على الأقل في حدودها الدنيا، معرفة ليست متكلسة بل متجددة ومنفتحة على العالم، لا يشعر بأن حدود العالم تنتهي عند مذهبيه أو تنظيمه السياسي أو أسرته أو موطنه..إلخ، أن يتجرد من الذات وأنانيتها التي تبحث عن "أنا ثم أنا وأنا..إلخ" وتعلو بها إلى السموات والرموز وتضعها في صف خارج النقد والتقييم والمساءلة، هذا على أقل تقدير برأي المتواضع، أن يستحضر عدة النقد والنقد الذاتي إن استطاع لذلك سبيلاً، وهي ليست صعبة فقط تتطلب إرادة وصدق وهي بالمناسبة من أقوى وأمضى العدد العلمية لضبط إيقاع الحركة والكلمة والتجديد، إنك يا عزيزتي تطلبين الكثير يا باسمة الكثير الذي هو سبب الهزائم والانحطاط بل والتسطيح والخواء.
مودتي
منى فضل
هذه المقالات مكانها حوليات المجلات الأدبية أو الاسبوعيةوليست صحيفة يومية يقرأها المرء في عمله وفي مقهاه وفي طيارته وقبل اجتماعاته وبين استراحات مؤتمراته ..
احترم الجميع ولكن المقال " مبالغ في تقديرة جداً" ولو قرأت التعليقات دون قراءة المقال لرسمت صورة أخرى عن مضمونة .
لكل أنسان ذائقته بالطبع ولكن لكل مقام مقال.. فوجود مقال فني في مجلة طبية سيبدو مقحماً ، وكذلك وجود هذه الكتابات وما على شاكلتها في صحف يومية سياسية.
شكرا على مقالاتك المتميزة والمختلطة
انصفته الشمس مرتين الثلاثاء 29 سبتمبر 2009
الكاتبة ذات الحس الانساني المتألق باسمة..
حروفك تخترق عقولنا المنهكة بالظلام ، و تجعلنا نحلق في الضوء بحرية ، و دون خوف من السقوط أو الموت..
الأخ محمد..
لماذا تحجر علينا متعة أن نحلق خارج الاعتيادي ؟ الأعمدة و المقالات المنشورة في الصحف معظمها لك، اقرأها في عملك و في مقهاك و في طيارتك و قبل اجتماعاتك و بين استراحات مؤتمراتك ، واترك (شاكلة هذه الكتابات) لأهلها والمعجبين بها، فأنت غير مضطر لقراءتها
روعةً هي هذه الكمات.. شعرية هي! نعم ! تكاد تخرق الجدارن والأغلفة.. فشكرا لك يا باسمة على هذه السنفونية.. إنها سنفونية القدر.. لحظة يبدأ النهار..؟ ولكن متى؟ يقول أحمد شاملو – وهو من أهم شعراء الفرس المعاصرين:
هرچند من نديدهام اين کور ِ بيخيال
اين گنگ ِ شب که گيج و عبوس است ــ
خود را به روشن ِ سحر
نزديکتر کند،
ليکن شنيدهام که شب ِ تيره ــ هرچه هست ــ
آخر ز تنگههای سحرگه گذر کند...
زينروي در ببسته به خود رفتهام فرو
در انتظار ِ صبح.
فرياد اگرچه بسته مرا راه بر گلو
دارم تلاش تا نکشم از جگر خروش.
اسپندوار اگرچه بر آتش نشستهام
بنشستهام خموش.
وز اشک گرچه حلقه به دو ديده بستهام
پيچم به خويشتن که نريزد به دامنام.
ديريست عابري نگذشتهست ازين کنار
کز شمع ِ او بتابد نوري ز روزنام...
فکرم به جُستوجوی سحر راه ميکشد
اما سحر کجا!
رغم أني لم أرى غبية عمياء مثلك (يخاطب ظلمة الليل)
أنت خرساء مرتبكة عبوسة
قريباً تزحفين إلى مشارف الصباح
و سمعت! برغم حلكة ظلمتها
ستنتهي متخلسةَ من مضيق ظلمتها
ولهذا أوصدتُ الباب على نفسي
وأنا منتظر ذلك الصباح
وبرغم أنحشار الصراخ والنياح في حنجرتي
إنني مثابر كي لا أصرخ من كبدي
كالبخور والعود جالس على الجمر
في هدوء جالس أنا
حدقتاي يفيض منهما الدموع
يعصرني ألم الضمير! أمنع وصولها (الدموع) أحضاني
دهوراً ولم يعبر عابرا من هذا الطريق
لأستضيئ بنور شمعته هادياً لي الطريق
عقلي دليلي باحثاً درب الصباح (النور)
ولكن أين الصباح؟