|
|
» أعمدة - عباس المرشد
أعمدة
المعرفة المذهبية وحرية الطوائف
عباس المرشد
هل ثمة علاقة بين المعرفة والتعمق في القضايا المذهبية وبين التوتر الطائفي والاشتباك بين الطوائف؟
يميل الكثير من المثقفين إلى الإجابة بـ«نعم» فهم يرون أن زيادة المعارف المذهبية يخلق سورا منعيا يحجب الطوائف الأخرى نظرا لأن المعرفة تقوي الهوية الخاصة بالطائفة وتكسبها بعدا هجوميا إن صح التعبير. ويزداد الأمر خطورة عندما تنقل تلك المعارف بتفاصيلها من حيزها العلمي إلى الحيز الاجتماعي بغية إشراك الناس العاديين في المعرفة وإكسابها سلطة عقائدية يقون بها هويتهم الخاصة مقابل الهويات الأخرى ومن ضمنها الهوية العامة سواء كانت هوية وطنية أم هوية دينية.
في المقابل لا يرى صناع المعرفة المذهبية الخطورة نفسها بل إن الخطورة تكمن في إقصاء مثل تلك المعارف وحجبها عن الناس باختلاف مراتبهم، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى بناء معارف تراكمية بعيدة عن المعرفة العلمية، ويفتح الباب لنشؤ سلطة أخرى قوامها النقل الشفاهي والاختراع في العقائد والمعارف الدينية والمذهبية.
أما من ناحية التأسيس فإن صناع المعرفة المذهبية يؤسسون نظرتهم هذه على مفهومين. الأول هو حرية الاعتقاد وحرية الحصول على المعرفة الخاصة بالهوية المذهبية كجزء من حرية التعبد والحريات الدينية، المفهوم الثاني هو التطبيق الحرفي للنصوص المذهبية أو الطائفية وما تقضيه من الدعوة والتبشير والحماية إذ لا يمكن تصور هوية مذهبية خالية من نصوص أولية تدعو إلى التبشير بالهوية الخاصة وتثبيتها في الأفراد المؤمنين بالطائفة أو المذهب.
إن كثيرا من المعالجات التي طرحت في هذا الموضوع مع الأسف أنها معالجات قادت إلى توسعة الفجوة والشقاق بين كلا الرأيين وأوجدت اصطفافات علمية واجتماعية ليس من شأن المعرفة أيا كان فحواها أن توجدها، لأنها لا تعود معرفة خالصة بقدر ما تكون معرفة مسخرة لخدمة أغراض القوة والإكراه والإقصاء. إن الخلاف بين المثقفين العلمانيين والمثقفين الدينين شأنه شأن أي خلاف فكري لديه القابلية إلى أن يتحول إلى خصومات اجتماعية وسياسية ولديه القابلية أيضا لأن يكون وسيلة من وسائل تنظيم الأفكار وتداولها بعيدا عن صيغ الإكراه والاحتراب.
فللوهلة الأولى يبدو أن كلا الفريقين غير متقبل لفكرة الفريق الآخر وعلى أساس هذا الحكم الأولي تبلور الجدال بين العلمانية والدين وفق خطوط لا يمكنها أن تتقاطع أو تلتقي مع بعضها. إلا أن أخذ الإشكالية إلى حتمية طريق التقاطع ينتج وضعا مختلفا جدا، وضعا أقرب إلى الحوار منه إلى النقاش أو الجدال. إن الاختلاف بين المثقف العلماني والمثقف الديني في شأن المعرفة المذهبية هو خلاف منهجي يأخذ أحدهما الرؤية الكلية ويأخذ الآخر الرؤية الجزئية، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن اغلب السجالات الدائرة بين العلمانيين وبين الدينيين هي سجالات منهجية لم تنضج ولم تتطور منذ أن طرحت قبل مئة عام حتى أصبح الحديث فيها هو حديث العقم البيزنطي الذي يظل يختلف بشكل دائم حول أسبقية البيضة أم الدجاجة.
معيار النضج إذن هو تجاوز الإشكال المنهجي والوصول إلى حالة ما بعد المنهج أي كيف تستغل المعرفة المذهبية وكيف توظف مثلما يتم الحديث عن الهوية العامة وحدودها والمقدار الذي تسمح به للهويات الخاصة أن تعبر عن نفسها من دون إزعاجات اجتماعية أو سياسية. ومقتضى ذلك هو أن لا تصل الهوية المذهبية إلى حد التضخم الذي يلغي الهوية العامة أو يفتتها، وأن لا تصل الهوية العامة إلى حد إلغاء وإقصاء الهويات الخاصة ومنعها من التعبير عن نفسها في حدودها المقبولة اجتماعيا وسياسيا.
يذكر في هذا الصدد إجابة الشيخ رشيد رضا صاحب المنار على سؤال بعث إليه من البحرين حول انتشار التشيع بين عشائر العراق وتحولهم إلى المذهب الشيعي أواخر القرن التاسع عشر، فقال ما مضمونه «إنه أذا كان تحولهم إلى التشيع داعيا لهم لمعرفة أحكام الدين وأفضل حالا من الذي هم عليه الآن فلا بأس بذلك» رغم أن إجابة الشيخ رضا لا تزال تتضمن موقفا عقائديا حذرا انطلاقا من دعوته المتكررة إلى فكرة الخلافة الإسلامية، إلا أن إجابته تعتبر متقدمة جدا وحاسمة في بلورة طريق متقاطع بين الشيعة والسنة في تلك الفترة. فالمعرفة المذهبية إذا ما أدت إلى تقوية الهوية العامة وهي عند الشيخ رضا الهوية الإسلامية فلا مانع منها ولا تشكل خطرا يدفع بالسائل إلى التحسس والخوف من التحول المذهبي بين العشائر. وهكذا يمكن الوصول إلى نقطة تواصل تجمع بين صناع المعرفة المذهبية وصناع الهوية العامة أو الهوية الوطنية كما في تجارب عديدة في المجتمعات الغربية، حيث حافظت تلك المجتمعات على خصوصيات أفرادها الطائفية وخلقت مجالا عاما مشتركا قادرا على حماية الجميع بقوة الجميع وليس بقوة طرف من الأطراف، سواء كان هذا الطرف هو الدولة أو طائفة من الطوائف.
تأسيسا على هذه القاعدة يمكن النظر إلى التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر في لبنان وتحالف جمعية العمل الديمقراطي وجمعية الوفاق الوطني الإسلامية في البحرين، وأن التحالف لا يقاس بنوعية المصلحة الشخصية والفردية المتحققة لهذا الطرف أو ذاك، بل ما هي المصلحة الوطنية العامة التي يمكن لمثل هذا التحالف أن ينسجها داخل مجتمع منقسم ومتعدد طائفيا وداخل ثقافة مشتت الركائز.
التعليقات
|
عرض جميع كتاب الوقت |
عزيزي الكاتب ...فى ذمتك احين انتة ما حصلت موضوع اخر تكتبة اللى هلموضوع ..القضايا المذهبيه و التوترات الطائفيه احنه فى سنة 2009 . انه فى يوم سالت صديق عزيز علي وقلت له انه احنه العرب و الحمد للة وصلنه فى مستواكم العلمى و الثقافي عارف شنو رد علي ... ويا ليته ما رد .. قال اذا فعلا جاء هذا اليوم فسوف تزورني فوق القمر يعنى احنه في الارض و همه في القمر يا قمر .. اللة يهداك بس يالحبيب اال ايه اال القضايا المذهبيه.. مع احترامي للكاتب والرجاء النشر .. اللة تقربل صقر
الموضوع يتضمن اقتراح لرؤياواقعية لحالة التشرذم الذي تعيشة المؤسسة الدينية .... فليت قومي يعلمون