صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 17 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:57
الشروق 6:17
الظهر 11:52
العصر 3:03
المغرب 5:27
العشاء 6:57
» شرفات الثقافة
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً

سيـرة مجازات علي الديري
الوقت - عباس الجمري:
في أوج عاصفة هوجاء ضربت أركان مملكة علي الديري الفكرية، خرجت فتاة يافعة لم تبلغ الحلم تبحث عن دفء لها في وسط ركام من الخوف والجزع والتساؤل، استراحت تلك الفتاة في بيت إحدى النساء البعيدات عن قريتها، سألت المرأة الفتاة: ما اسمك؟ فقالت: ‘’القراءات الجديدة’’...،وأكملت: بحثت عن دفء لي، فلم أجد إلا بيتك الأنيق.. من أنتِ يا سيدتي؟ فقالت المرأة: أنا ‘’الإسلاميات التطبيقية’’,1 تعالي أحضنك، تعالي لتكتشفي من أنا، تكتشفي بؤر توترك بلا ريب.
وبعد مضي ثلاثة أيام، قررت ‘’القراءات الجديدة’’ أن تعود لقريتها، سألتها ‘’الإسلاميات التطبيقية’’ عن السبب، فأجابت: لقد اكتشفت أنني أعيش في مؤسسات برمجة رمزية، في تفكير أعوج تحكمه سلطات رمزية متعددة، وعنف مثله يخلق تفكير جمعي، من حاد عنه صار شاذا، أريد أن أذهب لهزه... قالت السيدة: خذي هذه الحزمة من الطعام لعلك تستطيعين أن تكتفي بها كمؤنة للسفر.. الفتاة: ما تلك؟ السيدة: أفكارا نقدية تلغمين بها المؤسسات الرمزية، فلعل تفجير أجزاء منها يحدث خللا جوانيا يحث على قراءة الذات من خارج الأطر فـ(أكبر معيق يحول بين المرء، وبين ذاته، هو الثقة المطلقة في الوسيط، فنحن اعتدنا أن نوسط شيئا ما، يكون مرجعنا الأعلى حين نريد أن نفهم أنفسنا، هذا الشيء ربما يكون مذهبا فكريا أو...) يجب أن نحفر في تلك الثقافة الجمعية يا ابنتي، وعندما قرأتي قصاصاتي، فمؤكد أنك اكتشفتي أنه (لا يمكن للإنسان أن يقرأ ذاته قبل أن تصبح شيئا آخر، والذات لا يمكنها أن تتحول إلى آخر إلا حين تستبدل بشبكة علاقاتها ومجموع إضافاتها بشبكة أخرى، حينها يمكنها أن تقرأ تجربتها التي تجــاوزتها).
رحلت القراءات الجديدة في أرجاء مملكة الديري، باحثة عن حصيلة أخرى تستفيد منها، بعدما اختطت طريقا جديدا بفضل ‘’الاسلاميات التطبيقية’’، محتفظة بحزمة الألغام/الأفكار النقدية، التي زرعت بعضها في مؤسسة أو مؤسستين رمزيتين فحصدت هياجا اجتماعيا عارما عليها.. القراءات الجديدة، رغم أنها خرجت بعباءة الحس المشترك، ألا أنها خلعتها، واكتفت بلباسها مع قليل من القماش فوق رأسها، لتحتفظ ببعض ترسبات الاطار الجمعي السابق، فصارت الآن أكثر حيوية في حركتها-حسب فهمها للحيوية-وراحت لأركان علي حرب لتقرأه، وجالت في مضارب فوكو لتتعرف عليه، وسبحت في تفكيكية دريدا، مستعينة بـ (تيوب) أركون، وبعض من جال تلك البحار.
ألا ان الحدث المثير في قصة القراءات الجديدة، أنها رأت شابا عليه وقار التدين، والحيوية التي زعمت أنها موجودة خارج الأطر الجمعية وانساق المؤسسات الرمزية، فسألته معجبة: من أنت؟ فقال متبسما: أنا علم الكلام الجديد...(فسألته مندفعة): حدثني عنك؟ سألها: من ملكك؟ قالت: الديري، الذي ساقني لما أنا فيه، لأفجر الحجارة التي تنطلق من هنا وهناك، إنه وثق بي، ووثقت بنفسي بوثوقه، وساعدني على تزكية نفسي وتهذيبها عبر عرفانية الاسلاميات التطبيقية، ويوغا علي حرب، فكان منطلقي نحو...(قال الشاب) لا تكملي، أعلم، أردت فقط أن أريك رأى ملككِ فيّ، (فأخرج لها ورقة تبدو أنها من صحيفة ما) عنوانها: هل يمكن الحديث عن حداثة دينية من منظور علم الكلام الجديد؟)، فنظرت سريعا للسطور، فوقع نظرها على بعض مديح الديري للشاب اليافع،..مكتوب في تلك الفقرة (لم يعد علم الكلام الجديد مجرد معرفة دينية مشغولة بتقديم فهم عصري للإنسان والوحي والدين والنصوص بالانفتاح على العلوم الإنسانية والفلسفة، بل بات علماً معنياً بتاريخه المعرفي، أي معنياً بتفحص تاريخ حياته التي هي حياة العلماء الاجتماعية والثقافية والسياسية والمعرفية الذين أعطوا لهذا العلم هويته بما أبدعوه من أفكار ونظريات وآراء صحيحة وخاطئة وخلافاتهم وتناحرات). قرأت الفتاة تلك القصاصة، فراحت مستبشرة، احمرت وجنتيها، ونظرت لعلم الكلام الجديد قائلة: أحبــك.. فقال متلعثما: أحـ.. أحبكِ أنا أيضا، سألته متجرأة: تتزوجني؟ فأجابها: إن تزوجتك، تلهميني أنغامك؟ فقالت: أهبك سؤددي، أضع جؤجؤي على صدرك، أحرك فيك عطشي، تحرك فيّ سيرتك.
فراحا فرحين بالزواج السعيد، وبعد فترة قصيرة، جاءت المولودة الجميلة: الحداثة الدينية، التي فرحا بها أيما فرح، وقد نشرت بعض الصحف صفة تلك المولودة لتنبؤ أهميتها المؤثرة مستقبلا على مصير المملكة، فجاءت بعض الصحف في معرض صفتها أن الحداثة الدينية: هي الحداثة المتعلقة بنمط تديننا وطريقة فهمنا للدين التي تشكِّلها المعرفة الدينية المنتجة في أوساطنا الدينية الحركية والحوزوية.
فرحت الأم لسماع تلك الأوصاف في أبنتها، بل وتقافزت فرحا حينما سمعت أن أحد المهتمين في شأن الثقافة في مملكة علي الديري، قد علا المنبر قائلا: ما الفهم؟ هل يملك خطابنا الديني نظريات ابستمولوجية/معرفية في الفهم؟ هل استثمر هذا الخطاب ما تنتجه العلوم الإنسانية الحديثة، من نظريات في التفسير والتأويل والفهم والقراءة؟ إلى أي حد يضع هذا الخطاب في اعتباره تباين السياقات التاريخية والثقافية واختلاف القبليات/المسبقات القرائية والأدوات العلمية واستراتيجيات التأويل في تفسير الاختلاف تفسيراً معرفياً؟ متى يفقد الاختلاف شرعيته؟ وهل الشرعية تاريخية؟ وهل هي بمنأى عن الاختلاف؟
الإجابة على هذه الأسئلة، هي إحدى مهمات ‘’الحداثة الدينية’’، وهي مهمة تحتاج إلى اشتغال معرفي رصين وحديث، أي اشتغال بعيد عن ضجيج الأيديولوجيا ومهماتها التبريرية والتجيشية والدفاعية، وفي الوقت نفسه قريب من العلوم الإنسانية الحديثة وإنجازاتها من الدراسات النظرية والتطبيقية).
بذلك تشجعت ‘’القراءات الجديدة’’ أكثر لولوج مناطقا أكثر بعدما اكتسبت خبرتها من الآخرين الجدد، وتزوجها لعلم الكلام الجديد، وتكون جنينها ‘’الحداثة الدينية’’، فكانت طفلة فاتنة قيل فيها ما قيل، كما مر.
الزواج المبارك وولادة الطفلة، قد شهداه زوجين مهمين في المملكة، فإمراة مثل ‘’استعارات’’ لها أهميتها البالغة في اللغة، كما أن زوجها ذو الاسم المركب ‘’بها نرى’’، مهما جدا في تفسير مديات زوجته الثقافية، بل ومهم جدا في كشف أهمية تلك الزوجة المباركة، التي كانت لها فضل حثيث وخفي على السيدة ‘’القراءات الجديدة’’، بل وعلى زوجها علم الكلام الجديد، لاهتمام الأخير بالعلوم الانسانية، واشتغال السيدة ‘’استعارات’’ على هذا الحقل وحقول أخرى.
أهمية هذين الزوجين يكمن في شهودهما الأحداث التي ألمت بالمملكة، وهما يطلبان من الله منذ أمـد وليد يفرح ناظرهما قبل أن يموتا بلا ذريـة بارة، لكن التأخير الإلهي لهما صلاحا بلا ريب، فقد اكتسبا من كل تلك التجارب حقيقة اعتقدا بها اعتقادا كبيرا كما يزعمان في كل محفل، ألا وهي’’نسبية الحقيقة’’، فكان دعاهما بأن يرزقهما مولودا يشتغل على كشف مراوغة الخطاب في صياغته للتفكير، فجاءت ‘’مجازات’’ لتقول لهم أنها هي التي تكون التفكير المؤمـثل، وأخبرتهم بما يقول عنها الإنسان فهو (لا يمكنه أن يخرج على عائلة التفكير المؤمثل، وهذا يعني أن الانسان يفكر بواسطتي، ومن ثَمَّ فالإنسان يتوقع ويفهم ويفسِّر ويقرِّر ويتخيل ويستبصر ويستنتج ويتأمل عبري. فأنا التي أمنحه القدرة على التصرُّف والتوسع والتخيل، ليشيد صورة مركبة لا مبسطة لما يحدث في واقعه. المجاز يا والدي لا يبسط الواقع، بل يكثفه ويركبه ويعقده ‘’المجاز اعتراف ضمني بتركيبة العالم واستحالة رده إلى عالم الطبيعة بعد فرح أرجاء المملكة، وانهيار أركان مؤسسات البرمجة الرمزية فيها، وولادة الحداثة الدينية لأبيها علم الكلام الجديد، وولادة المجازات لأبيها ‘’بها نرى’’، ومرور أكثر من عشر سنوات لسيرة السيدة ‘’القراءات الجديدة’’ ومساهمتها في تدشين فهم جديد لكل أرجاء المملكة احتفل علي الديري بما آلت له مملكته في حفل عظيم ضم أقطاب الممالك المجاورة، فكان حفلا باسم آخر وليد، وهي ‘’مجازات بها نرى’’.

 التعليقات

لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي
» كاريكاتير
الرأي