|
|
» اليوم الثامن
«بلوغر» بحرينية تتمنى دلمون الماضي في حاضر اليوم
وآخر يُدوّن عن الجراد والطبخات ومنبت الأساطير الشعبية
الوقت - حسين مرهون، حسام أبوإصبع:
كان السيد «أوبزرفر» قد ألقم مدونته بما يكفي من النقد والسادية وجلد الذات حيال موضوعات عدة محرّمة اجتماعياً طول الأشهر السبعة الماضية، قبل أن يعود أخيراً ويعلن عن أنه قرر التوقف عن التدوين نهائياً. وفي معرض تبريره لهذا القرار المفاجئ، ارتأى أن يستذكر مقولة بالمحكية المصرية للممثل الكوميدي عادل إمام من مسرحيته الشهيرة «الواد سيد الشغال»، «ناس عندهم لحمة يعزموا ناس عندهم لحمة عشان ياكلوا لحمة». قال ذلك واصفاً عملية التدوين، قبل أن يحزم أمتعته ويقفل هارباً بلا عودة. لم يسأل أحد عنه في قسم التعليقات، وبدت مدونته «The Observer» التي تمتاز بخلفيتها السوداء، والأحرف الصفر المصبوبة فوقها باتجاه موضوعات ساخنة على الدوام، مشدودة كلها إلى كلمة تصدرت الجزء العلوي منها: «وداعاً».
كان هذا عنوان «تدوينته» الأخيرة التي فضل أن يأتي بها - للمرة الأخيرة - محمّلة بجرعة كوميديا، وربما يكون ذلك رداً عملياً منه على سؤال أورده هو نفسه في إحدى التدوينات السابقة عما إذا كان العرب يعرفون معنى الكوميديا. وهو قال شامتاً «أمة المسلمين عموماً، والعرب خصوصاً، نكدة، كدرة، كئيبة، لا تعرف الفرح ولا يعرفها». فإذاً، قد يكون ذلك هو الحدث الأبرز بالنسبة إلى ما ترقشه أصابع «البلوغرز» الأقرب، من حيث وجهة بوصلتهم «التدوينية»، إلى التصريفات الثقافية.
وإذا كان هذا هو مآل حال البلوغر «أبوزرفر» فإن الحال مختلف كلياً بالنسبة إلى بلوغر آخر، وهو حسين محمد الجمري. فهذا الأخير لا ينفك يغرغر مدونته «مدونة التراث والتاريخ» التي أسسها حديثاً منذ نحو خمسة أشهر، بموضوعات ذات إلماعات ثقافية بحتة. وفي هذا الإطار، يمكن للمهتم أن يقرأ الموضوعات المدرجة تحت العناوين الآتية: «الخلطات والطبخات العجيبة لأهل لول» و«تاريخ صيد وطبخ وأكل الجراد في الخليج» و«مرجحانة العيد: الأسطورة والتخريف الموازي» و«الناصفة.. القرقطو.. القرقيعان: الطقوس والتاريخ»، وغيرها. الجمري كتب في الموضوعات المذكورة تحت جهد بحثي ضافي، وهو اعتمد لدى تحميلها إلى المدونة على تقنية المسح الضوئي «Scanner»، مع إشارة إلى اسمه تتكرر أسفل كل صفحة، إضافة إلى ختم ذي علاقة في الأعلى، منعاً لسرقتها. وهو ما يقلل - كما لا يخفى - من عنصر التفاعلية، خصوصاً لدى تضافر ذلك مع طولها النسبي، وطابعها اللاّشخصي.
تسقط العلمانية
«بلوغر» آخر قديم، وهو توفيق الرياش، أطلّ عبر مدونته «مدخنة الرياش» بموضوع على حلقتين تحت عنوان «الموت للعلمانية»، في عملية استعادة للحوارات التي فجرها شعار «الموت للعلمانية» الذي أطلقه زعيم ديني بارز في إحدى خطبه في يوليو/ تموز الماضي. الرياش يبدي انحيازه للشعار هذا، ولا يرى غضاضة في عدم تعاطف أي رجل دين مع العلمانية ذلك «لأنه ملتزم إسلامياً والعلمنة لا تتعاطف ولا تنسجم مع الالتزام الإسلامي». وفضلاً عن أنه اعتبر الهجوم الذي طال مطلق الشعار «غير مبرر»، أوضح أن هدفه من إعادة طرق الموضوع «وجهة نظر في مسألة العلمنة والتحالفات مع العلمانيين»، على ما عبر.
الرياش تناول في الحلقتين الأوليين تعريفات «عالم الدين»، والفرق بينه وبين «رجل الدين»، إضافة إلى تعريفات «قاموسية» لمفهوم «العلمانية» بالرجوع إلى بعض المعاجم والموسوعات شأن «دائرة المعارف البريطانية» و«قاموس وأكسفورد»، متعهداً في الوقت نفسه بأن يلحق ذلك بحلقات أخرى ذات علاقة. حتى ذاك.. قد يبدو مفيداً الوقوف عند مدونة «زرنوق بحراني» لحسن الخزاعي، الذي هو الآخر «بلوغر» قديم وصديق للرياش. الخزاعي كتب بعد انقطاع طويل عن التدوين موضوعاً للتسرية تحت عنوان «عيب خلقي». قال مبرراً استئنافه التدوين «كنت أظنني أقلعت عن إدمان الكتابة هذا، غير أن شعوري ذاك لم يكن سوى وهم آخر من جملة أوهام علقت بها مرة وللأبد». وأضاف «صه.. صمتاً.. لا تفه.. عبثاً تحدثني، فأنا أشد صمماً من دودة الأرض. لا تنبس ببنت شفة. بل ولا تفكر حتى في اقتراف فعل فاضح كذاك البتة... وتذكر دائماً بأنك في صحراء بني إسماعيل الذين يكرهون الكلام رغم كونهم أكثر أهل الأرض ثرثرة». المفيد في المرور على «زرنوق» الخزاعي، هو قدرته العجيبة على تحويل الأشياء، حتى رزينها، إلى «أراجوزات» مسخوراً منها، يعينه على ذلك رافعة لغوية سليمة، وبراعة في اللعب على مقترحاتها، وطبعاً ندرة من «يبلغرون» في عالم الكتابة الساخرة.
هنية في «السلمانية»
الـ «بلوغر» قاسم أحمد عبدالرسول اختار أن تكون إطلالته التدوينية من خلال صور استذكارية له برفقة «إسماعيل هنية». والأخير لا يشبه رئيس الوزراء الفلسطيني «المقال» إسماعيل هنية إلا في الاسم، غير ذلك، فهو مقاوم فلسطيني انتهت به ظروف معقدة إلى أن يرقد الآن في مستشفى السلمانية الطبي. وقاسم كتب سارداً عن هذه «الظروف المعقدة» تحديداً، ورحلة إسماعيل من غزة بعد إصابته في إحدى المعارك مع قوات الاحتلال إلى البحرين، من خلال ما رواه له، بعد زيارته، حيث يرقد في المستشفى. قاسم و«بلوغرز» آخرون طالبوا الخيرين التبرع لإسماعيل لاستكمال علاجه - عبر رحلة أخرى - في الأردن، حيث كلفة العلاج مبلغ 8000 دينار.
وتكتب «بلوغر» أخرى اسمها رباب أحمد في مدونتها «لغة الياسمين» الأقرب في توجهها إلى خط جمعية «وعد» تحت عنوان شعري «زحام الموت» عما تسميه «الهوة العميقة» التي بين الشعوب والسلطة. وتقول موضحة «لن نحتاج هنا لتحديد سلطة برمتها، فكل سلطة تخرج من دائرة الضمير الحر، والديمقراطية اللازمة، تدخل معنا هنا». وفي إشارة لاحقة تعتبر أن المنظومات السلطوية تتصدرها سلطتان «هما التزمت الفكري، والاستبداد السياسي. وهما ذاتهما من دفعتا أبو خليل القباني، مع مجموعة من الممثلين والفنانين، للهجرة من موطنه سوريا لمصر؛ بعد أن أُحرق مسرحه. والقائمة ممتدة في هذا الشأن».
أما محمد العثمان فقد كتب في مدونته منتقداً من أسماهم «الملمِعين والملمَعين» في وزارة الإعلام. وقال موجهاً حديثه إلى وزير الإعلام جهاد بوكمال «يخطئ أيما خطأ إن هو سمحباستمرار الحال في ‘’الوزارة’’ على ما هو عليه. فالمسألة أكبر من جلب مجموعة من الملمِعين والملمَعين لكي يتحدثوا إلى الناس في كل مناسبة»، وفق تعبيره.
وفي موازاة منه، لكن بعيداً عن وزارة الإعلام قليلاً، كتبت صاحبة مدونة «هذيان الحروف»، وهي «بلوغر» بحرينية اختارت التكتم على اسمها، متسائلة «ماذا نعرف عن تاريخ البحرين». وتقول إن هذا السؤال التمع في رأسها في أثناء قراءتها لكتاب ماريت كروفورد «الأختام الدلمونية»، فيما اختتمت حديثها قائلة «أسرفت في خيالي واسترسلت كثيرا حتى نسيت شكل ناطحات السحاب بواجهاتها الزجاجية التي بدأت تغزو البحرين، واجهات بيوتنا التي يمكن أن نطلق عليها من كل بحر قطرة (...) وتمنيت أن أستفيق من خيالي فأجد مكاناً لدلمون الماضي في بحرين الحاضر». تضيف متسائلة «هل يمكن للخيال أن يتحقق يوماً ما؟».
ربما، في يوم ما، أما السيد «أبوزرفر» فقد سلم أقداره إلى «الواد سيد الشغال».. وضاع.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |