صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 18 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:57
الشروق 6:17
الظهر 11:52
العصر 3:03
المغرب 5:27
العشاء 6:57
» اليوم الثامن
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
عليكم أنتم أن تعدّلوا من طريقتكم
«البلوغرز» البحرينيون.. مثقفون على طريقتهم
وللحق، فالأمر لا يتعلق بوفرة ضافية لما أبحث عنه، إنما لالتباس مفهوم التدوين نفسه بالثقافة من واسع أبوابها عبر الجنس الذي صار يستحوذ على مساحة واسعة من الكتابات السردية الحديثة، وهو ‘’السيرة الذاتية’’. أقول ذلك وأدلل عليه بالظاهر من هيمنة الشخصي وتفصيلات الحياة اليومية للبلوغرز على قطاع عريض من المدونات المتوفرة، بما لا يدع مجالاً للشك في واقعة التباس هذا بذاك. حسناً قلت، فالأمر كذلك حقاً، وليس ثمة حاجة منهجية ملحّة لتخريب هذا الالتباس، أو التقليل من حظوته.
ثم خطر لي، وأنا أوظب شتات أفكاري لكتابة هذا التقرير، ما كان قد أشار إليه محمد أركون عند وقوفه على التعريف الكلاسيكي للأدب، لدى دفاعه عما يعتقد أنه وجود لتوجه أنسني مبكر في السياقات العربية الإسلامية. فعلى عكس التفريعات التي ظهرت لاحقاً، والتي أقصرت مفهوم الأدب على البيان وما في جنسه، كان يعني الأدب منذ العصر الرابع الهجري وحتى سيادة العصور المدرسية، جملة ‘’الأبعاد الفكرية والمعرفية والأخلاقية والروحية والشرعية والجمالية والسياسية التي يتصف بها موقف (الأديب) كما وصفه التوحيدي في جميع كتبه. وهي كتب تشتمل على جميع العلوم المتداولة في عصره أو تتعرض لها وتناقشها’’[1].
وبشيء من الاستسهال، قلت، لتكن المدونات، بما تشتمل عليه من ذاتيات وخواطر وأخلاقيات وأبعاداً روحية وشرعية وجمالية وسياسية وتصويرية، تحويلاً على المفهوم الكلاسيكي للثقافة الأدبية التي يتحدث عنها أركون. بيد أن الفارق الذي أرغب في أن ألفت الانتباه إليه هنا، هو أن الفاعلين في حدود ما أعنيه من الثقافي هنا، ليسوا أدباء أو فلاسفة من النوع الذي كان عليه الجاحظ أو مسكويه أو التوحيدي - وهي النماذج التي قاربها أركون - وإنما هم أناس بسطاء وعاديون جداً.
وهو ما يتماس مع إشارة أخرى تتعلق بتعريف المثقف المعاصر يدافع عنها علي حرب في كتبه بإسهاب. وهو تعريف تتشظى فيه الصورة التقليدية للمثقف بوصفه المستحوذ على سلطة المعرفة وعلى نطاق المعلومات، إلى مجرد عامل معرفي صغير تتحدد منفعته تبعاً لفاعليته في المجال الذي يشتغل فيه، بناء على الخبرة الوجودية التي أتاحتها ثورة المعلومات [2].
ومن كل ذلك، فسوف أرى من جهتي إلى المدونات مقترحاً وجودياً دالاً على الثورة هذه. أما عمّالها، فهم البلوغرز أنفسهم، الذين هم بسطاء وعاديون جداً، إنما ينشطون، كل من مجال عمله وتخصصه، لتنشيط هذا المقترح، عبر ما يشفرونه به يومياً من مواقف ورسائل وخواطر ويوميات وذاتيات وسير شخصية.
والحال مادام الحال هذا، فسوف تغدو المدونات - جميع المدونات - هي المجال الحيوي للثقافة هذه، تستوي في ذلك مدونة ناقد ثقافي مثل الزميل علي الديري، بمدونة محمود اليوسف، وهو رجل أعمال، بمدونة عبدالهادي خلف، وهو عالم اجتماع، بمدونة عبدالجليل السنقيس، وهو ناشط سياسي، بمدونة حسين عبدعلي، وهو ممثل مسرحي، بمدونة وحيد البلوشي، وهو متخصص في مجال المعلوماتية، بمدونة علاء عبدالعزيز، وهو طالب في فرنسا، بمدونة راشد الزايد، وهو شاب محرقي ينتسب إلى جمعية ‘’وعد’’، بمدونة ليال، وهي فتاة جامعية تكتفي عند تعريفها لنفسها بالعبارة التالية ‘’وراء كل اسم حكايه ووراء كل مكان روايه وهنا تحكي ليال الحكاية’’ إلخ إلخ. وكل هذا لا يعني أنه ما من أحد بين البلوغرز البحرينيين من يمكن إدخال تدويناته ضمن التصريف المحدود للثقافة الذي نعرفه اليوم. ويتمثل هؤلاء في البلوغرز الذين يعكسون تحيزاتهم الثقافية، عبر تقنيات البيان التي يستهلكونها على الواقع الافتراضي، تبعاً للتحيزات إياها التي يستهلكونها في الواقع المادي، وبشروط هذا الأخير، وهؤلاء قلة. كما يتمثل فيمن يتعاطون الثقافة في الواقع كما يتعاطونها أيضاً على المدونات، وفقاً لشروط التدوين المتعارف عليها، وعبر تدوينات مشفرة بإشارات تعكس طبيعة ثقافتهم وقراءاتهم، وهؤلاء قلة أيضاً. ويتمثل أخيراً في أولئك البلوغرز الذين يتخذون من التطبيق المتاح مجانياً للمدونات وسيلة لإعادة نشر مايقومون بنشره سلفاً في الصحف والدوريات المحلية أو الأجنبية، وهؤلاء أكثر نسبياً، ويندرج تحتهم لفيف من النقاد والأكاديميين والمهنيين والمحررين في المجال الصحفي.
وطبعاً، أكثر من هؤلاء جميعاً، أولئك الذين قمت بتعريفهم سلفاً، تبعاً للمفهوم الكلاسيكي للأدب، ولتعريفات المثقف المعاصرة، والتي - مثلما سبقت الإشارة إلى ذلك - تجعل من المثقف والثقافة معاً مفهومين سيالين، قابلين لأن ينطبقا على كل أحد وعلى أي شيء من أي مجال، شريطة الفاعلية في هذا المجال. ويغطي هؤلاء الجزء الأكبر من البلوغرز البحرينيين الذين تعكس تدويناتهم حساسية ثقافية متفاوتة المستويات.
إلى هنا، وأكتفي بما جاء في التقديم النظري، وأنطلق إلى ما كنت قد وعدت به سلفاً، من إرداف هذا التقديم بشق آخر تطبيقي. وأولى التطبيقات أقتطعها من بلوغر بحريني يملك مدونة اسمها ‘’The Observer’’. فهو كتب في آخر تدوين له متسائلاً على حلقتين ‘’لماذا الدين أفيون الشعوب؟’’ وراح مجيباً على سؤاله ‘’لأن كل الشعوب التي عاشت وأسست نظما معيشية بينها على أساس أديانها ومذاهبها تخلفت وتراجعت وتناحرت وتخاصمت وتحاقدت وحسدت وظلمت وتفرقت’’. ثم اختتم كلامه بهذا الصدد قائلاً ‘’الدين لا يجمع. الدين يفرق’’.
صاحب المدونة وإن كان قد أخفى اسمه الحقيقي لأسباب مفهومة وطبيعية، اكتفى بإلحاق اسم مدونته في الأسفل بالكلمات التالية ‘’مثالي وواقعي’’. وهو قد أفصح من هذا المنطلق عن قناعات ندر أن نجد من يجهر بها علناً في الواقع. وعلى رغم هذا، فهو قد حمل في تدوينات مختلفة زيادة على ذلك، على الطوائف والطائفيين، واعتبر أن النساء في القرى البحرينية ‘’لا يفهمن الأنوثة إلا من زاوية إبراز المفاتن والتخضع بالقول والخلوة والمحرم والحجاب الإسلامي والعورة’’ على حد تعبيره.
أكتفي بهذا القدر من مدونة السيد ‘’أوبزرفر’’ من دون أي تعليق على ما كتب سوى نصيحة أقدمها له بالمجان وهي أن يواصل في إخفاء اسمه، وأمر إلى بلوغر آخر، وهو عمار عبدالعزيز، ومدونته التي تحمل اسم ‘’الحرية هي الحل’’. عمار من شبيبة المنبر التقدمي، وهو يكتب من فرنسا، حيث يدرس، وتدويناته في الأكثر عبارة عن يومياته مع الكتب التي يطالعها، فضلاً عن الأفلام التي يشاهد. الكتب التي يقرأها كما يتضح من مدونته، هي مزيج من الروايات وكتب الشعر والسير الذاتية.
وهو كتب بعد أن قام بتقديم عرض مقتضب عن حياة الأسيرة السابقة في السجون الإسرائيلية سهى بشرة ومذكراتها التي صدرت قبل سنوات عن دار الساقي تحت اسم ‘’مقاومة’’، كتب واصفاً الكتاب بأن ‘’أسلوبه بسيط وممتع. لا يختلف عن الكثير من الروايات التي قرأتها شخصيا. ببساطة الكتاب يستحق القراءة’’. كما يتساءل في موضوع آخر عما إذا كانت ثلاثية الكاتب السعودي تركي الحمد ‘’العدامة’’، ‘’الشميسي’’، والكراديب هي فعلاً - كما يتردد - السيرة الذاتية للكاتب؟ وهو يجيب بنفسه مستفيداً من قول للحمد ينكر فيه ذلك. ولاشيء عندي أضيفه إلى ما كتب، سوى تعليق بسيط كنت قد وضعته في الأساس رداً على تساؤله في المدونة نفسها ‘’الثابت أن الروايات المذكورة هي فعلاً السيرة الذاتية لتركي، ونفيه لذلك مرده أسباب اجتماعية وسياسية. الروايات الثلاث تدور أحداثها جميعاً حول مثلث ‘’التابو’’، وطبيعي جداً أن يتبرأ الحمد من نسبتها إلى يومياته، وحتى الآن (المآثر) التي حلت عليه بسببها ليست قليلة’’.
بلوغر آخر وهو السيد محمود العالي كتب مستغرباً من إغراق العرب فيما يسمى ‘’نظرية المؤامرة’’. قال ‘’طالما أدهشني الحس العربي لنظريات المؤامرة. فحتى تركيب إشارات المرور واستخدام (الكوبريات) يعتبره البعض من نظريات المؤامرة. اللغة الانجليزية في رأي البعض مؤامرة. تغيير العطلة من الخميس والجمعة إلى الجمعة والسبت مؤامرة. إعصار غونو مؤامرة أيضا. البرمجة بلغة ++C مؤامرة. والـ PHP مؤامرة يهودية’’. ثم يختم كلامه بهذه الطرفة الظريفة ‘’بدأت أشعر بأن رسوب بعض الطلاب في المدارس مؤامرة إمبريالية صهيونية انجلوسكسونية’’ على ماعبر.
العالي اكتفى بنشر استغرابه، وأنا سأتوقف عن التعليق، لأفسح المجال إلى ما سيأتي في مدونة ‘’هذيان الحروف’’ على صلة بالموضوع، وهي لفتاة بحرينية. فهي كتبت تقول ‘’على رغم تحيزي للتراث والثقافة العربية إلا أنني أحاول أن أنهل من مختلف الحضارات والثقافات الأخرى’’، مبدية أسفها ‘’لأن العصر الذهبي للعرب الأوائل قد ولى وانتهى بانتهاء فترة نهضة معرفية شهدت فيها الحضارة والعلوم العربية تقدما بسبب انفتاحها على الثقافات الأخرى كالفارسية والصينية والهندية وغيرها’’. وتشير إلى إن ما يحزنها أكثر من ذلك ‘’أن أرى المواطنين الأجانب يهتمون ويعرفون عن حضارتنا أكثر ما نعرفه نحن’’.
بلوغر أخرى اسمها ليال كتبت في مدونتها ‘’إن كنت ذا رأي’’ عن موضوع آخر طريف يتعلق باعتقاداتها أيام الطفولة. قالت ‘’كنت أعتقد أن ماجد (بطل مجلة ماجد الإماراتية للأطفال) شخصية حقيقية’’. أما الاعتقاد الأكثر سريالية من غيره، فهو ما كانت تظنه من ‘’أن للأطفال (الأجنة) في أرحام أمهاتهم حرية في الحركة والتنقل وحياة أخرى مشابهة لحياتنا. ودائما ما أقول للأهل إنني كنت أذهب للسباحة في عين عذاري ثم أعود للنوم في بطن أمي’’. أما تعليقي عليها فيتمثل في دعوة أوجهها ليس إليها إنما لروائينا أمين صالح بأن يأخذ هذا الاعتقاد الأخير في الحسبان، خصوصاً وهو بصدد تأليف كتاب عن السريالية.
بدورها، تكتب البلوغر أمل المرزوق في مدونتها ‘’زعفران المرايا’’ عن قصتها في التعرف إلى كتاب مستشار حكومة البحرين السابق تشارلز بلجريف. وتقول في ثنايا تقديمها للكتاب الذي قرأته عبر نسخة إلكترونية ‘’على رغم أنني أحاول جاهدة الابتعاد عن السياسة؛ لأنها من وجهة نظري ليست إلا خليطاً من المشكلات المتداخلة والتي لا تمنح من يتعامل معها الراحة، إلا أن بلجريف لم يسمح لي بالكثير من تلك الراحة، فقد كان كتابه يؤرخ لمرحلة مميزة من تاريخ البحرين الحديث’’. وأنهي حديثي في هذا الشق بذهيلة من ذهيلات الزميل البلوغر وحيد البلوشي التي نشرها حديثاً على مدونته، تقول ‘’خِلوُ المشاعر لا تأمن الحُبَّا. جهد المقل في تعذيبه القلبا. أراك وحدك بين البشر ظاهرا. وأراني وحدي بين البشر سامرا. فخذْ بيدي.. فديتُ ثغرك العذبا’’. ولا زيادة لديّ على ما تفتقت عنه قريحة البلوشي غير الرغبة في التشديد مرتين على إحدى الإشارات الواردة في ذهيلته ‘’لاتأمن الحبا.. لاتأمن الحبا’’.

هوامش:
[1] محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، دار الساقي، .2001
[2] يرجع هنا إلى كتاب علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، .1998

 التعليقات

لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي