|
|
» إشراقات
الإسلاميّون والعلمانيون في البحرين..
عـلامات الافتراق وإمـكانات التـلاقي
كان عالم الاجتماع عبدالهادي خلف معنيّاً، قبل غيره، بالتعليق النقدي على خطبة الشيخ عيسى قاسم الشهيرة التي أطلقت شعاراً جديداً هذه المرّة، هو ‘’فلتسقط العلمانية’’.1 يمكن القول أنّ الرجليْن من جيل واحد، وبينهما تقاطعاتٌ مرحليّة هامة على المستوى الوطني، وهو تقاطعٌ شديد الدلالة عندما يحمل كلاهما لقب ‘’نائب سابق’’ في طور التجربة البرلمانيّة الأولى المعروفة المصير. أسفر الرجلان عن مرحلةٍ تاريخية شهدت أوْج الخلاف الأيديولوجي بين الدينيين التقليديين واليسار القديم، وحيث كان اليسار الثوري في حينه سائداً ويملك تأثيرا شعبياً ملموساً، فإنّ الدينيين اليوم باتوا عِماد المعادلات التي تتطلب ثقلاً جماهيرياً، فيما أضحى اليساريون نخباً شتى. لم يبق الاثنان على حالهما السّبعيني، فالدّيني غادرَ جلبابه المحافظ، واستلهمَ من الزّلزال الإيرانيّ الخطابَ الثوري الذي سيضخّ، وابتداءً من مسجدي الخواجة ومؤمن، هتافات ‘’الموت لأمريكا وروسيا’’، وذلك في موازاةِ برودٍ ملموس في المطالبات الوطنيّة التي طوّقها قانون أمن الدولة، ولكنه لم يطوّق الهتافات الجذريّة التي كانت تهزّ وقتئذ معاقل الصلوات الحاشدة والاحتفالات المركزيّة. فيما غادرَ الماركسي إلى حقل الأكاديميا والمنفى الإجباري - فالاختياري- محمولاً بالتجربة الشوهاء وبأكثر من تحوّل فكري انعطف على الحركة اليساريّة العالميّة.
افتراق السوسيولوجي الطارئ
لم يكن خلف، بطبيعة الحال، بعيداً عن المناكفات الضدّية التي تشهدها الحقول الدّينية والسّياسية والحزبيّة الناشئة خلال السنوات الست الماضية، وهي مناكفاتٌ تأسّست في الحال البحرينية الجديدة على قاعدة الانهيار التدريجي للشعار الوطني النتاج عن الولوج الجماعي - والهذياني أحياناً- في مرحلة التقسيم والتقطيع والتجزيء، وهي المرحلة الوليدة التي دشّنتْ نفسَها - ويا للمفارقة - بخطاباتٍ وحدويّة وميثاقيّة ساحرة. لقد كان لشيوع العلامات الأيديولوجية والشعارات الطوائفيّة أثره الكبير في إيقاظ خلف - عميقاً - على إشكاليته الكبرى في مهمة ‘’بناء الدولة’’ غير المنجزة، ومقولته التحليلية الأثيرة بشأن التشطير المجتمعي، بيد أنّ خلف ورّط النقاش الفكري الممكن حصوله في هذه الحالات، عندما عالج الشعار الجديد ببعضٍ من النقود السياسويّة والقراءات الشخصانيّة الضاربة في النوايا، وخفّف في المقابل من التنوير السوسيولوجي المعمّق -الذي يبرع فيه- لاسيما وأنّ الشعار الجديد يأتي في سياق اجتماعي مليء بالتناقضات وفي ظلّ تسارع غير طبيعي نحو جزّ الهويّة الوطنية وتفريغ محتواها الجامعi.
إضافة إلى ذلك، كان حريّاً بخلف - وهو العارف بتكوينات الفواعل الاجتماعية - أنّ يدرك أنّ الخلفية الفكريّة والهواجسيّة للشيخ قاسم لا تختلف كثيراً عن التأسيسات الأيديولوجيّة للشيخ سليمان المدني (2003م)، ما يعني أنّ موقفه من العلمانيّة والتشكيلات الليبراليّة ليس ودوداً على الإطلاق، كما أن إعلان هذا الموقف، وبطريقة الهتاف المجلجل، ليس مسألة جانبية أو قضية هامشيّة، بل هي أولوية حاكمة في خطاب الشيخ قاسم. ولقد عبّر عن ذلك بوضوح لا لبس فيه السيد مجيد المشعل، عضو الهيئة المركزيّة في المجلس العلمائي الذي يرأسه قاسم، حيث أكّد أن منطلقات الشيخ بهتاف ‘’تسقط العلمانية’’ كانت بعيدة عن السياسة وأولوياتها الوطنية، ‘’بل انطلق في ذلك من منطلقات إستراتيجية، وحدّد موقفاً دينياً. إذ من الواضح أنّ العلمانية في منطلقاتها وأهدافها تتعارض مع الإسلام، فهي تهدف إلى إقصاء الإسلام عن الحياة، وحصره في المسجد’’ii. وعلى هذا المنوال تحرّكت الأقلام الدينية في الدفاع عن الهتاف وتداعياته.
افتراق الأيديولوجي الوطيد
يبدو جلياً من خطبة الشيخ قاسم، ومن مقال المشعل، أنّ هناك فهماً محدّداً للعلمانيّة هو الذي عُيّن ليصبح محلاً للهتاف بسقوطها، وهذا الفهم تُستجمع مقوّماته من التصاريح الخبريّة التي أدلى بها بعض السياسيين والوزراء بعدم السّماح للفتاوى في إدارة شؤون الدولة، وذلك على خلفية الجدل في قانون التأمين ضد التعطّل، وقد فُسّرت هذه التصاريح - وبمعية الحال المدنيّة القائمة - على أنها مطالبة بإبعاد الدّين عن واقع الحياة، وهو المعنى الذي يندرج ضمن المفهوم السّائد حول العلمانيّة بوصفها فكرة معادية للدين وتسعى لإلغائه من الحياة العامة. ومرة أخرى، فإنّ هذا الفهم الشهير للعلمانيّة أضحى غير واقعي بالنظر إلى طبيعة التمثلات العلمانيّة في البحرين، وفي عموم التجربة العلمانيةiii، ويمكن النظر إلى دعاوى عدم إقحام الفتاوى على أنها دعوة للتريّث حفاظاً على مقاصد خيريّة يراها أصحاب هذه الدعاوي، وليس تعبيراً عن العداء للدين ومحاربة للعلماء، على النحو الذي تكشفه أبرز أدبيات الحملة الأخيرة ضد العلمانية.
هذا الفهم الملتبس للعلمانية لا شك أنه يمثل الفهم الرّسمي للعلمانية في خطاب عموم الإسلاميين في البحرين، وقلما توجد خطابات إسلاميّة تستوعب التقديمات الأخرى للعلمانية، وقد يكون السيد كامل الهاشمي نموذجاً للضفة الأخرى. هذا النموذج الأخير له أكثر من اسم خارج الدائرة الإسلامية المحلية، حيث يُبدي عددٌ من المفكرين والنشطاء الإسلاميين، وبعضهم من المرتبطين بالكيان العلمائي؛ استيعاباً أكثر وعياً لمفهوم العلمانيّة وحقولها المتنقلة، وفي حين أنّ بعض هؤلاء يمكن أن يُصنّفوا باعتبارهم متمرّدين على الأرثوذوكسيّة العلمائية، أمثال السّادة هاني فحص وإياد جمال الدين وحسين الخميني وجمال البنا وضياء شكرجي وغيرهم كثيرiv، إلا أنّ بعضاً من تقليديي المؤسسة الدينية قدّموا أيضاً رؤية أكثر انفتاحاً للعلمانية، ومن ذلك يقول الشيخ علي الكوراني تحت عنوان (العلمانيون أنواع.. وبينهم مؤمنون): ‘’العلمانية اسمٌ عائمٌ يستظل تحته الملحد والمتدين التقليدي (...) الذي يعتقد بأن الحكم باسم الدين لغير النبي (ص) والإمام المعصوم (ع) عملٌ حرام، لأنه سيضر الدين ويبعد الناس عنه، أكثر مما يقربهم إليه’’، وبعد أن يُعدّد حالات العلمانية المختلفة، يقول الكوراني :’’لذلك كان من المهم أن نسأل العلماني: إلى أي علمانية يدعو؟’’ مضيفاً ‘’وعندما يرى المسلم هذا التفاوت الكبير بين العلمانيين، لا يمكنه أن يهاجمهم بعصاه دون تمييز، بل يجب عليهم أن يعرف الذي يخاطبه منهم’’v.
المخرج الآمن والمدخل الضائع
المفكر برهان غليون يُحلّل عميقاً هذه الإشكالية، ففي حين يؤكد على الملازمة بين العلمانية والديمقراطية، فهو يرى أن ‘’الاستخدام السياسي، والتعبئة التي جرت خلال الصّراعات الحزبية الطويلة، قد غيرا معنى العلمانية’’ ليصبح مرادفاً للإلحاد ومعاداة الدين، وهو ما أدى لأن تكون العلمانية، وبدل غايتها التصالحية، عنصراً إضافياً ‘’للنزاع والصدام وسوء الفهم والقطيعة داخل قطاعات الرأي العام بدل أن تكون إطاراً لتجاوز اختلافاتهم العقائدية، لا إلغائها، في سبيل توحيد كلمتهم وإرادتهم السياسية’’. ويرى غليون أن المخرج يكون بفتح النقاش المؤجّل حول العلمانية وإعادة تعريفها، ‘’فإذا حرّرنا معنى العلمانية من استهداف الدين السماوي خصوصاً، كما أوحت به أو نشرته بعض العقائديات الماركسية واليسارية والتحديثية عموماً، واستبعدنا التأويلات اللا إنسانية واللا أخلاقية التي درجت عليها ولا تزال بعض التيارات السلفية الإسلامية، (......) لن يكون للعلمانية معنى آخر مختلف عن معنى المدنية، بما تعنيه المدنية من أسبقية الاعتماد على الرأي، أي من إخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني بين ممثلي الشعب’’vi.
ويمكن النظر إلى دعوة قاسم للتحاور معه، ومقال خلف الأخيرvii تهيئة جيدة لدفع المعالجات الخطابيّة إلى مستوى معين من التلاقي الحواري، والذي يمكن أن ينتهي إلى نتائج ملموسة فيما لو أُخذ بعين الاعتبار الخلاصة التي انتهى إليها غليون. وعدا ذلك، فإنّ الارتهان إلى الخلفيات غير المكتملة، وإلى الوقائع المجزأة، والتعويل على الأفهام الناقصة لن ينتهي إلا إلى حوار ضيّق الأفق، وذلك على النحو تجلّى في حوار العلمانيين والإسلاميين في منتدى الزميلة ‘’الوسط’’، والذي كان فرصة مستثمرة للملاقاة المباشرة، ولكن الانصياع إلى المداخل الجاهزة في النقاش واستيلاء الحدث الرّاهن على المتحاورين؛ لم يؤد إلا إلى تأكيد المغالطات وإطالة أمد الفهم الملتبس بين الأطرافviii.
الهوامش:
1 راجع خطبة الجمعة، 29 يونيو 2007 في موقع البيان http://albayan.org/
ii انظر مقال عبد الهادي خلف في: الوقت، ع 3 ,498 يوليو 2007 ص .15
ii مقال بعنوان ‘’عندما هتف الشيخ والجماهير بسقوط العلمانية’’، السيد مجيد المشعل، منشور في موقع المجلس العلمائي http://www.olamaa.com
iii قارن: الوقت، تقرير ‘’لا أحد يريد إقصاء الدين’’، ع 7 ,502 يوليو ,2007 ص .5
iv في حوار مع الوقت، يقول شكرجي - وهو الإسلامي العراقي المتحوّل- ‘’الديمقراطية غير المشروطة أو غير المؤدلجة هي حسب رؤيتي اليوم العَلمانية، لا بمعنى إقصاء الدين، بل بمعنى الموقف المحايد من الدين، لأني اليوم أرى أن العَلمانية هي الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الدنيا، أي قضايا الوطن والإنسانية’’، ع 4 ,438 مايو 2007م، ص .6
v علي الكوراني، ‘’ثمار الأفكار’’، ج,1 ط,1425 1 ص.13
vi برهان غليون، ‘’الديمقراطية والعلمانية’’ موقع المرصد العربي للإصلاح والتنمية، www.awrd.net
vii عبد الهادي خلف، الوقت، ع 10 ,505 يوليو 2007م، ص .9
viii انظر ‘’الوسط’’، ع 10 ,1768 يوليو .2007
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |