|
|
» بروفايل
ديــــــــــــم فــي الضــاحـيـــــــــــة
زينب رحال:
تعرفت إلى ديم صاحبة مدونة (لوين؟!!) كما تعرفت إلى المدونيين البحرينيين عبر مدونات جيران. أثناء الحرب اتصلت بي لتطمئن علي وعلى أهلي وتواعدنا على اللقاء بعد الحرب. وفعلاً، التقينا ثاني أيام عيد الفطر (أي بعد الحرب بشهرين وعشرة أيام). يوم طلب مني علي الديري معلومات جغرافية وديموغرافية عن الضاحية أجبته: ‘’بسيطة شقيق، ما الضاحية مالئة الدنيا وشاغلة الناس حالياً، ولا أسهل من تحصيل معلومات عنها’’. كم كانت صدمتي قوية ومؤلمة عندما اكتشفت أن لا أحد لديه معلومات علمية عن الضاحية.
لا الدوائر الرسمية، ولا مراكز الدراسات والأبحاث ولا البلديات ولا الإنترنت، لا أحد... لا أحد.وحده مركز دراسات (يتبع لحزب الله في الضاحية) كانت لديه هذه المعلومات ولكنه دُمّر بالكامل أثناء الحرب ولم تنجُ أي من معلوماته. ببساطة، قبل الحرب لم يكن لنا وجود. بعدها صرنا (هيروشيما) لبنان!!!
شعارات مدمرة
‘’من حاول أن يدخل الضاحية بقبعة أميركية وعلى حصان إسرائيلي، أخرجته المقاومة على حمارٍ أعرج’’
‘’قنابل ذكية، لعقول غبية’’
“Made In USA”
هي بعض الشعارات التي تقابلونها في القسم المدمر من ضاحية بيروت الجنوبية. تلك البلدة، التي يفاجأ الكثيرون عند زيارتها للمرة الأولى.
الدخول من غير إشاعة
سألتني (ديم) القادمة من الإمارات العربية المتحدة:’’ هل صحيح ما يُشاع عن بلدتك؟!، أيفترض بي وضع الحجاب لدخولها؟!، أهي حقا ممنوعة على غير الشيعة المتحزبين لله؟!، هل سيتم توقيفي عند حواجز حزبية والتحقيق معي في حال أردت زيارتها؟!’’
ضحكت، استأذنت من مرافقيها:’’ اسمحوا لي أن أخطفها في جولة لأريها الحقيقة العارية، ولا تخافوا، سأعيدها. نحن لسنا عناصر ميليشيا كما يشاع عنا’’.
ترجلنا من السيارة عند المدخل الجنوبي لحارة حريك.
- ‘’ هنا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهذه المباني قصفت في الأيام الأخيرة من العدوان كتهديد لمبنى المجلس. كما تعرفين يا ديم، لبعض المباني رمزية، تماماً كما للضاحية كلها رمزية خاصة. فإذا كان الجنوب والبقاع أم المقاومة وأبيها، فالضاحية هي الحاضنة والمغذية إن صح التعبير. دعينا ندخل من هذا الشارع المتفرع، سأريك ما يذهلك. هنا استخدموا القذائف الفراغية فدمرت المباني بالكامل، وصولا للملاجئ التي تزيد على 3 طوابق تحت الأرض، وهناك استخدموا القذائف الفسفورية وهنالك استخدموا قذائف الإف ‘’16
غريندايزر في الضاحية
التفت صوبها وسألت: ‘’هل شاهدت غريندايزر أو جونغر في طفولتك يا ديم؟’’
أجابتني: ‘’نعم، بالتأكيد’’
تابعت وأنا أشير بيديّ ناحية الحي المدمر بكامله: ‘’ لغاية يومنا هذا أنا لا أستوعب ما أشاهده، يوميا أتخيل نفسي في كابوس، حيث تتحول هذه الرسوم المتحركة إلى واقع، لا يمكن أن يكون هذا الدمار سوى من فعل وحش فضائي يمثل الشر كله، ومقاومونا هم جونغر وغريندايزر، مقاومونا هم القوة الإلهية الخارقة التي استطاعت أن تحمينا وتدافع عن وجودنا.
هنا مر الوحش الشرير، ضرب بيده هذا المبنى فدمر الطوابق العليا، داس على آخر فسواه بالأرض، نفخ النار من فمه فأحرق هذه المباني، وتلك اقتلعها تماماً كما تقتلع الأشجار من الجذور. ألم أخبرك أنه كبير المدمرين؟!!. هنا كان ما يعرف بالمربع الأمني، والمربع الأمني يا ديم هو منطقة شعبية مكتظة بالسكان، حيث تتلاصق المباني والمحال التجارية والمصانع. نعم، الطوابق السفلى للأبنية كلها محال تجارية، أما الملاجئ فهي معامل ومصانع ومطابع ودور نشر. هل أخبروك في إعلامهم ذلك يا ديم؟ فبرغم كل ما يشاع عن جهل أهل الضاحية وتخلفهم -كما يعبرون- نحن صناع الكلمة والحرف، وبدوننا تشل صناعة الكتاب في لبنان والكثير من الدول العربية’’.
تبخر الإنسان
تقف ديم وسط الدمار مذهولة.
ألوح بيدي أمام عينيها.
- ‘’ما بك، استيقظي، انتبهي أين تدوسين’’
- ‘’لا أصدق ما أرى، أنا شاهدت صوراً ونشرات أخبار ولكني اعتقدت أنهم يبالغون، أشعر كأني أعيش داخل فيلم أكشن’’
- ‘’لا يا ديم، حتى أعظم مخرج سينمائي لن يتمكن من صناعة هكذا فيلم، بالأمس طلب مني أحد أصدقائي من المغرب أن أخرج من جو الحرب، أن أكتب عن الحب والحياة الجميلة، حاولت أن أشرح له لكنه لم يفهم.
أخبريني يا ديم، كيف أمحو ذاكرتي وأنا أعيش داخلها، كيف أنسى صديق أخي رفعت، الشاب الثلاثيني الذي لم يكن يذكر دون أن يغرق الآخرون بالضحك لما يعرف عنه من روح النكتة، هذا الشاب الذي أحب أن يزور بيته في مجمع الإمام الحسن (ع) في الرويس مساء الأحد الثالث عشر من آب، وما إن وصل حتى اشتعل المجمع ودمر على من فيه. بحثوا كثيراً عن جثته دون جدوى، فغدا شهيداً دون قبر. قرأت مؤخراً بحثاً قام به صحافي اسرائيلي يقول إن كمية المتفجرات المستخدمة في قصف مجمع الإمام الحسن (ع) كانت كفيلة بإذابة جثث سكان الطوابق العليا وتبخرها. فتبخر رفعت. ماذا ستقول زوجته لأبنائه عندما يكبرون؟! ماذا ستفعل إذا طلبوا منها زيارة قبره يوم العيد؟!!
ليتهم لم يرسلوا
- ‘’ماذا حل بالمساعدات التي أرسلت إليكم؟ هل استلمتموها؟’’
- ‘’استلمنا القليل من المواد الغذائية آخر أيام العدوان، يُشاع يا ديم أن القسم الأكبر من المساعدات خُزّن في مستودعات ليُوَزّع على محسوبيات بعض التيارات والأحزاب، وبحسب الإعانات التي وزعتها هذه الجماعات على محسوبيها في شهر رمضان، يبدو أن تلك الإشاعات صحيحة’’.
- ‘’ماذا عن الأموال، هل وصلت إلى مستحقيها؟’’.
- ‘’الأموال وصل بعضها إلى المصارف ولا زالوا ليومنا هذا يتشاجرون حول تقسيمها، يا ليتهم لم يُرسلوا شيئاً، يا ليت الدول العربية التي أرادت المساعدة قامت بما قامت به الدولة القطرية عبر إرسال فرق عمل للمساعدة في أعمال الإغاثة والإعمار بدلاً من إرسال الأموال، متزعمينا يا ديم (ما عمرهم رح يشبعوا)’’.
- ‘’وسكان هذه الأبنية، ماذا حلّ بهم، أين أصبحوا؟’’.
- ‘’أصبحوا مهجرين، مثلهم في ذلك مثل الكثير من اللبنانيين الذين هجرهم العدوان الإسرائيلي وهجرتهم الحرب اللبنانية على مر السنين، الفارق الوحيد لديهم، انهم وجدوا اليد التي امتدت لهم لتمنحهم القدرة على السكن لمدة عام، لو لم يقم حزب الله بمبادرة التعويض وتأمين السكن لهؤلاء الناس لكنا أمام كارثة اجتماعية حقيقية. تخيلي نفسك يا ديم وقد استيقظت فجأة لتجدي منزلك مدمراً، ذكرياتك محترقة ومبعثرة وباب رزقك قد أغلق، كيف ستشعرين؟’’
الضوء المأهول
- ‘’ يومياً أسأل نفسي هذا السؤال. ولكنكم شعب غريب يا زينب. أثناء الحرب خفت عليك كثيراً وتفاجأت عندما اتصلت للاطمئنان عنك وعن أهلك بمعنوياتكم المرتفعة، وعندما قررت أن أمضي إجازة العيد في بيروت حذرتني إحدى قريباتي بأني سأجد بيروت مختلفة عما كانت عليه سابقاً. لأُفاجأ بأن كل مقاعد الطائرات محجوزة وبأن الفنادق ممتلئة والحياة طبيعية جداً كأن شيئاً لم يكن’’.
ابتسمت، وقلت لها: ‘’سأريك ما يثير إعجابك أكثر الآن، هل ترين المبنى المقصوف هناك، انظري إلى الطابق الثالث، هل ترين الضوء الكهربائي؟، اقتربي أكثر، ستفاجئين يا ديم بأنه بين هذا الدمار، أي شقة قابلة للسكن ستكون مأهولة’’.
- ‘’يا الله، ألا يخافون؟’’
- ‘’لا، لا يخافون. تعالي، سأريك مبنى تلفزيون المنار وإذاعة النور’’.
- ‘’أذكر أيام الحرب أن المنار والنور شكلا عقدة نفسية للإسرائيلي’’
- ‘’صحيح، هنا كان المبنيان، اختفيا تماماً، ولم يختف نورهما’’.
التنانير القصيرة
لفتنا العتمة، نظرت إلى ساعتي، كانت الثامنة مساءً، التفت اليها وقلت: ‘’بإمكانك اعتبارها جولة مكثفة، أنا لم أرك الضاحية كلها، لكني أريتك الجزء الأهم. بقي أمر واحد. هنا كنيسة القديس يوسف، وخلفها مسجد الإمامين الحسنين (ع)، هذه خيمة التيار الوطني الحر وتلك خيمة شباب حزب الله، هنا يا ديم في حارة حريك يسكن المسيحي الماروني جنباً إلى لجنب مع المسلم الشيعي، كما يسكن آخرون. هل استوقفك أحد؟ هل أجبرك أحد على وضع حجاب؟ هل سألك أحد أين تذهبين؟ أو ما هي جنسيتك؟ ألم تشاهدي الفتيات اللواتي ارتدين القمصان الضيقة والمكشوفة والتنانير القصيرة يسرن بجانب أخريات محجبات وأخريات ملتحفات بالسواد؟ هل تعرض لهن أحد؟ لي عندك طلب واحد يا ديم، لا تصغي إليهم ولا لإعلامهم من دون أن ترى بأم عينك وتحكمي’’.
- ‘’صحيح، معك حق يا زينب. هذه كانت أهم جولاتي السياحية في بيروت’’.
- حسناً يا عزيزتي، دعينا ننهي الزيارة بفنجان قهوة في منزلي، وبعدها أعيدك إلى الفندق، لا تخافي لم تسقط كل البيوت، بيتنا ما زال صامداً، تماماً كما صمد أيام الحرب اللبنانية وحرب المخيمات. هل سبق لي أن أخبرتك عن يومياتنا وطفولتنا على مدخل مخيم برج البراجنة للفلسطينيين. تلك قصة أخرى’’.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |