|
|
» بروفايل
قــــراءة فــي كتــــاب
«بيضون» وقراءة الحسين خارج الصخب
الوقت - أثير السادة:
يراهن الباحث اللبناني ابراهيم بيضون في اصداره الموسوم بـ'' ثورة الحسين حدثا واشكاليات'' على اكتشاف بداية أخرى لهذه الثورة التي مازلت تحرض الباحثين على اعادة قراءتها، محاولا البحث عن الخيوط المفقودة في مشروع الثورة بعيدا عن نهر الدموع الذي طغى على نص التاريخ وأسس لنص العزاء المشغول بمساحة المأساة في حادثة كربلاء. يقف الباحث في هذه المحاولة على مقربة من معاهدة الصلح التي انتهى اليها الموقف بين الحسن بن علي ومعاوية بن ابي سفيان، المعاهدة التي تركت أثرها على الجبهة الشيعية واسست لخطاب المعارضة في داخلها او ما يسميه الباحث ''تيار الرفض'' والذي تمثل في فريق حجر بن عدي الكندي الرافض آنذاك لخيار الصلح مع معاوية، في حين كانت القراءة الموضوعية للامام الحسن قد انبأت عن رغبة في الابقاء على تلك النخبة التي تشكلت في عهد الامام علي والتي في ضمنها الكندي ورفاقه، وكانت هي الدافع باتجاه المصالحة. كان هذا الصوت المتحفظ على الصلح في الوسط الشيعي بمثابة الجبهة او التنظيم الذي سيحرض على الثورة، ولذلك عمد معاوية الى اعتقال عدد من رؤوس التنظيم وتصفية البعض منهم، وكان في مقدمتهم حجر بن عدي الكندي الذي انتهت اليه رئاسة قبيلة كندة، وكان يمثل وزنا سياسيا في دائرة المعارضة، وهذا ما يرجح ان يكون السبب في انقطاع اخبار الجبهة المعارضة في التاريخ بعد اعدامه.
اذن الكوفة بشخصياتها كانت في دائرة الحدث والقضية قبل موت معاوية ، فهاهي عدسة التاريخ ترصد لنا صورة عن الاجتماع الذي جرى في دار سليمان بن صرد بوصفه الخلف في قيادة التيار الشيعي المعارض بعد اعدام حجر، لتصبح هذه المجموعة هي من يوجه الدعوة لاحقا للامام الحسين للقدوم الى الكوفة.
هنا بالتحديد تتضح المعطيات الموضوعية لتلك الثورة التي يرى الباحث بأنها جاءت لا كردة فعل فقط على مستجدات المشهد السياسي الموصول بموت معاوية، واستخلاف يزيد، وانما -وعلى نحو اكثر دقة- كنتاج ''تراكم لحركة سياسية ونضال دؤوب'' لتلك النخبة، وبذلك يمكن تفسير مهمة مسلم بن عقيل في الكوفة بأنها محاولة واضحة من الامام الحسين لايجاد الخطوات العملية لهذا المشروع.
التردد في شخصية مسلم ينال نصيبا من التدقيق والمراجعة من قبل الباحث الذي ينقل لنا رواية تحكي عن تثاقل مسلم عن هذه المهمة، مضيفا الى ذلك تردده عن قتل ابن زياد في منزل هاني بن عروة والذي انتهى برأسيهما -اي مسلم وهاني- محمولين الى الشام، واضعا علامة استفهام على قصده منزل المختار الثقفي بدلا من سليمان بن صرد الذي كان على اتصال عبر المراسلات مع الامام الحسين وكان متزعما للمعارضة آنذاك، معتبرا المختار شخصية بعيدة عن اجواء الثورة، ما يجعله يثير السؤال عن امكان ان يكون هذا الاخير سببا في ابطاء مهمة مسلم كما كان سببا في تثبيط وابطاء التوابين.
ثورة التوابين
بعد المأساة، تبدت على السطح عدد من الاتجاهات في الجبهة الشيعية، متأثرة بما جرى في كربلاء، وفي مقدمتها مجموعة سليمان بن صرد التي ستحمل شعار ثورة التوابين وهي تمثل في هرمها الرئاسي وجوها لاهم القبائل اليمنية المعروفة بولائها للامام علي: الازد وخزاعة وبجلة.
العلاقة القديمة بالامام علي وصوته المعارض للصلح ايام الامام الحسن تتقدمان صورة ابن صرد الذي بدت ثورة التوابين وكأنها تتحرك من داره، عبر لقاءات اسبوعية اريد منها تنظيم صفوف الشيعة في الكوفة للخروج من لحظة الشعور بالخذلان لغيابها عن نصرة الامام الحسين، وهو الغياب الذي يرجح المؤلف ان يكون غيابا قهريا مع غياب التوثيق التاريخي لهذا الامر، مشككا في امكان الغياب الجماعي لتلك المجموعة التي عرفت بحسها الثوري، وهي المجموعة التي ستضع اللبنة الاولى لحركة التوابين: سليمان بن صرد الخزاعي، عبدالله بن سعد الازدي، عبدالله بن وال التيمي، المسيب بن نجبة الفرازي ورفاعة بن شداد البجلي.
عنوان التوبة يبدو الابرز في خطاب التوابين ومنه نالوا هذا الاسم، لذلك يرى المؤلف انهم اختصروا الثورة في التوبة التي ستحرك النفوس باتجاه الشهادة والتصحيح للتقصير عن نصرة الحسين، وكان شعارهم ''المطالبة بدم الحسين''، وهو الشعار الذي سيدخلهم الى قلوب الكثيرين من الشيعة في الكوفة والبصرة وسيساعد الى نجاح العمل السري طيلة ثلاث سنوات من التحضير.
غير ان هذا النجاح تعرض لانتكاسة بموت الخليفة يزيد، الموت الذي فتح الباب لتصاعد نفوذ حركة عبدالله بن الزبير في الكوفة بعد التحاق البطانة المحيطة بابن زياد والمعروفة بالاشراف بهذه الحركة، اضافة الى بروز المختار الثقفي من جديد في الساحة السياسية في الكوفة وهو الذي كان قد نفي الى مكة، وحمله لشعار الثأر للحسين، الى جانب ممارسته للتوهين والتشكيك في حركة التوابين وقائدها بن صرد، الامر الذي وان كان لم يخرج زمام الامور عن قبضة ابن صرد الا انه ساهم في تحجيم الحركة وشعبيتها.
سعى التوابون الى تنظيم صفوفهم بعد تناقص عدد الملتحقين بالحركة، وبدا عبيدالله ابن زياد الهدف الرئيس في المواجهة المرتقبة عند عين الوردة، كانوا عازمين كل العزم على الخوض في هذه المهمة الشاقة، رافضين ما قدم لهم من عروض للالتحاق بابن الزبير في مواجهة الامويين، لتكون تلك المعركة التي نال فيها ابن صرد ورفاقه الشهادة فيما كسب الامويون المعركة ثانية!.
المختار وزواج المصالح
الغموض والريبة كانا يعتريان سيرة المختار بن عبيد الثقفي، هذا المقبل من عالم بني ثقيف، القبيلة المعروفة بميولها لبني أمية، عدا بعض البيوتات التي جاء منها المختار، فقد ظل بحسب المؤلف شخصية رهينة لعدم الثقة من كلا الطرفين: بني أمية والشيعة.
عمد المختار الى رفع شعار الثأر للامام الحسين والاحتماء بالبيت العلوي عبر الاتكاء على اسم محمد بن الحنفية لكسب المزيد من الاصوات في أوساط الشيعة الذين مازالوا في موجة الحزن والندم على حادثة كربلاء، ما يسَّر له المهمة وارخى له زمام القيادة، في الوقت الذي لم تكن في قوة ابن الزبير الصاعدة ما يرضي تطلعات الشيعة.
تحالف المختار مع ابراهيم الاشتر المعروف بابن الاشتر، وكان هذا التحالف بمثابة المباركة لمشروع الثأر الذي كان هذا الأخير مخلصا له، حتى تقدم الى قصر الامارة بالكوفة بمعية ثلاثة آلاف رجل ليستلم بعدها المختار السلطة في الكوفة وتبدأ علامات الاستئثار بالسلطة تظهر في سلوكه وخطبه، الامر الذي سيثير الشكوك مجددا حوله، ويدفع بالمجموعات والطبقات السياسية للتحرك ضده او الانزواء عنه، كما حدث في تمرد الاشراف بعد شعورهم بالخطر على مصالحهم، وانقلاب ''النخب الشيعية الملتزمة'' ومنهم رفاعة، وابن الاشتر الذي اختار ان يظل مستقلا.
حاول المختار ان يعاود كسب الشارع الكوفي مجددا عبر الاستمرار في مسلسل الانتقام من المشاركين في معركة كربلاء، لتطال التصفية عددا كبيرا منهم، وعددا آخر لا صلة له بالحدث ضمن موجة الانتقام التي اراد منها المختار تحقيق مكاسب سياسية، في حين كان خطر عبيدالله بن زياد مازال ماثلا وتهديداته لسلطة المختار باتت وشيكة.
مرة اخرى يظهر ابن الاشتر في المشهد السياسي للاحداث ليكون صاحب المبادرة في مواجهة ابن زياد وجيشه، باعتباره آخر القتلة الكبار، في معركة الخازر التي انتهت بالنصر للاشتر ومقتل ابن زياد ومن معه، ولهذا يختار المؤلف ان يصف ابن الاشتر برجل المرحلة، ومالك زمام الحسم فيها، على خلاف الصورة التاريخية التي مضت الى تكريس المختار في الوعي الشعبي كبطل الملحمة التي نادت بدم الحسين. لم تكن صورة التحالف بين المختار وابن الاشتر في فصولها المختلفة لتتجاوز شكل التحالف المرحلي الذي كان يتوخى منه الأخير تحقيق اهدافه النضالية والتي تتساوق وسيرته التي وان اهملها التاريخ قبل كربلاء الا انها تقف على ارث ابيه الذي عرف بصلابته ونضاله الطويل في صفوف علي، وعلو صوته في رفض لغة الاستبداد والاستئثار التي بدت عليها الدولة الاسلامية إبان حكم الخليفة الثالث. وتحت عنوان العدو المشترك اندفع ابن الاشتر باتجاه التحالف لاحقا مع مصعب ابن الزبير في خيار الحرب مع الامويين الذين حاولوا لاكثر من مرة استمالة ابن الاشتر، فيما كان المختار يطوي آخر فصول حياته السياسية بعد خسارة الدعم الشعبي، وانفضاض رجالات الشيعة عنه ، ليمضي هذا البطل النخعي شهيدا لمبادئه في معركة دير الجاثليق التي حسمها الامويون لصالحهم بعد مقتل مصعب بن الزبير هو الآخر فيها. يحسب لهذا الاصدار اصراره على تقديم قراءة سياسية شاملة للتوازنات الصعبة التي شهدتها تلك المرحلة التاريخية ، والبحث في تفاصيل القوى السياسية ورموزها التي ساهمت في صياغة خيارات المواجهة، ومساءلة الحدث في لحظاته الغائبة عن تدوينات الشاهد التاريخي، لتبقى ثورة الحسين كما هي عنوانا فائضا بالدلالات، وفسحة عريضة للتأمل وصناعة الاسئلة.
؟ كاتب ومسرحي من السعودية
اسم الكتاب: ثورة الحسين..حدثا وإشكاليات
المؤلف: إبراهيم بيضون
دار النشر:شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
الطبعة الأولى 2001 - بيروت
200 صفحة من القطع الكبير
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |