فلما وصلنا المكان قال «كان فيه حياة» وسكت
باب «حَسرة المكان».. فصل «فلمّا»
هو مجنون الأماكن.. شهد ولادتها.. ورعاها بكاميرته
نص وتصوير حسين المحروس:
''تَحَسَّرَ الماءُ عنه واسْتَجَنَّ به''
فلمّا وصلنا وجدت المكان يفيض بالتعب، وهو الذي قال لي ''سآخذك إلى مكان'' اكتفى بذلك وابتسم فلم يأتِ في خاطري التعب. أعدت الاتصال به، سألته مرّة أخرى عن ''المكان'' فأضاف ''مررت به قبل أيام فقلت أعود إليه بكاميرتي''. ألفيته يحصر اسم المكان في خاطره فوهبته فتنة الإخفاء اللذيذ في مكان لم يعد فيه أسرار. نحاول أن نلهو، نتصنع بقدراتنا على الإخفاء، ونلعب. كانوا يقولون في القلب أسرار، في العين أسرار، في الحسّ أسرار، فماذا عن المكان؟ مَنْ يهبُهُ أسراراً؟
فلما وصلنا المكان قال ''كان فيه حياة'' وسكت. غادر سيارتي يحمل كاميرته مثل ملهوف على مكان رسمه في باله مرّات وخطط أطره مرّات وصورّه في خاطره مرّات. أن تخطط للصورة وترسم ملامحها قبل الذهاب إليها يعني أن تكون بين الصورة والصورة في حصر من التخيّل المجهد. هل رأيت إنساناً يحصره خيال؟
فلما وصل إليها صار يدور حولها. وكان قد أعدّ كاميرته واستعد قبل أن يهبط. لم ينتظرني ثانية واحدة. هو مجنون الأماكن، شهد ولادتها ونموها، ورعاها بكاميرته. حدّثني مرّات قلقاً عن ضرورة تصوير أماكن كثيرة تتغيّر كمن يستعين بقوى أخرى للقبض على كلّ حركة نمو في مكان. أرشيفه كلّه قصص الأماكن.
فلمّا قاربت على الانتهاء من إعداد كاميرتي، وقفل سيارتي كان هو قد أوشك على الانتهاء. لا يفعل ذلك من مصوري الأماكن إلاّ اثنان: مصورٌ عَجِل مأجور، وآخر متمكّن من حسابات صوره، يرى أشكالها ونتائجها، قبل الضغط على زرّ التصوير، وقبل مشاهدتها. ليس هو الأوّل، وليس هو الثاني أيضاً.. لن يفيدنا الحصر المدرسي هنا بشيء غير الاستكانة إلى ثقة لا تليق به.
فلمّا أوشك على الانتهاء اقترب منّي قال ''ماذا تصوّر؟'' وهو يرى جهة الكاميرا، ويعرف ماذا أفعل، ويفهم، فلماذا يسألني إذن؟ قلت له بحرج التلاميذ ''أصور التفاصيل'' ولم أنظر في وجهه. أعرف أنّه كان يبتسم. مَنْ خَبر سرّ المتعة لا يعضله الوقتُ. قال لي ''طيب.. صور تلك الجهة'' فانصعت إلى جهته، وصورت. عدت للمكان السابق للمزيد من التفاصيل. رفعتُ رأسي فوجدته جوار سيارتي ينتظر عودتي. كنت أرغب في الدخول إلى بطن السفينة ''الخنّ'' وألتقط حركة الضوء الشفيف عبر شقوق الألواح، وما تقوس، وخفّ منها، وما اعوّج لغياب الماء. كلّ ما ليس فيه ماءٌ خفيف. كانت بي رغبة كبيرة في رؤية المكان المُغدر بالظلمة.
فلما عصيته ولم أكترث لانتظاره - هذه المرّة الأولى التي يدعوني فيها إلى صحبته في رحلة تصوير؛ لذا كان كلمّا انشغل في تصوير موضع صوّبت كاميرتي نحوه. كنت أظنّ بأنّي سوف أدخر ذلك لمفاجأته عندما نغادر المكان. لقد سبقني وتمكّن - فلما عصيته عاد نحوي قال ''لقد تناثرت الألواح.. لقد صورتها هي أيضاً''. كنت أظنّه لا يعبأ بالتفاصيل. أعني تفاصيل المصور التوثيقي بامتياز.
فلما انتهى من طباعة صوره وجدت ''حَسرة الماء'' في كلّ صورة من صوره.
ووووووووووااااااااااووووووووووو
فعلا المكان من يهبه الأسرار.