|
|
» اليوم الثامن
اتجاهات المدونين البحرينيين حيال غزة
سعاد الخواجة: غاضبون للتنفيس.. قلوبهم شتى وقلة في كوكب آخر
الوقت - حسين مرهون:
في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي ألقمت سعاد الخواجة صفحتها الشخصية على شبكة الإنترنت بموضوع مؤثر حمل اسم ''لن أقول وداعاً'' استأذنت فيه قراءها بالانصراف. لم تسهب كثيراً في أسباب اعتزالها التدوين لكنها تحدثت عن فتور حماستها. ومضت! ثم وعلى وقع الدخان المتطاير من غزة حديثاً عادت لتستأنف فجأة ولتسود صفحتها الأنيقة ببرقيات عاجلة من وحي الحدث الطاغي. وقد صرحت ''عدت لأنني غاضبة، حزينة، وأشعر بالخيبة''. صاحبة مدونة ''هذيان الحروف''، أكثر المدونات البحرينية جدية ونشاطاً طوال الفترة التي شهدت بروز التدوين ضمن أدبيات الواقع الافتراضي لم تستطع أن تطيل المكث في عزلتها، وهي تشاهد معمودية الدم الجارية وأجنحة الموت النازلة على رؤوس المدنيين المحاصرين. وقد تحدثت قبل أيام إلى ''الوقت'' وفيما يلي مقتطفات:
قبل أشهر أعلنت اعتزالك التدوين ثم عدت أخيراً لتستأنفي ببصمة من وحي الحرب على غزة. لماذا عدت؟
- لا يمكن أن تكون سلبياً حيال ما يحدث. فحين تطالعك الفضائيات يوميا بمشاهد الجثث المتساقطة والضحايا بالعشرات تهتز كل قيمك، مشاعرك، بما في ذلك القرارات التي قد تكون اتخذتها في يوم ما لسبب أو آخر. صحيح أننا لسنا حكومات ليتسنى لنا أن نعقد قمماً أو نفتح معابر أو نغلق سفارات أو أو، لكن، في يدنا أن نتكلم. لقد قرأت هذا السؤال في أكثر من مدونة شخصية على لسان حال المدونين: ماذا لدينا لنفعله في ضوء العجز المطبق وقلة الحيلة؟. ببساطة، إن لدينا سلاح الكلمة. قد تتجه بوصلة الناس العاديين ناحية جمع التبرعات أو التظاهر وتنظيم الاعتصامات أمام سفارات الدول المعنية. لكن بوصلة الناس الذين تتركز فاعليتهم في فضاء النشر الإلكتروني ما من شك، ستتجه ناحية الكتابة وتسليط الضوء، تحليلاً وتضامناً، على ما يحدث. وبالنسبة لي شخصياً، فأنا لا أشذ عن هذه القاعدة. صحيح أنني اعتزلت التدوين، لكن أمام لحظة عصيبة مثل هذه لا تستطيع أن تكون بعيداً عن جوّ الأحداث أو تكون سلبياً. باختصار، عدت لأنني حزينة وغاضبة وأشعر بالخيبة.
كيف وجدت نشاط المدونات البحرينية في غضون هذه الحرب. هل كان مقنعاً؟
- لا، لم يكن مقنعاً. قليل وقليل جداً. ولا يوازي حجم المأساة التي يمر بها إخوتنا في غزة. لا أعرف ما السبب وراء ذلك، ولكن يمكنني أن أعزو الأمر، وإلى حدّ ما، لكون المجتمع التدويني البحريني لما يزل صغيراً مقارنة مع المجتمعات التدوينية الأخرى. ثم أن هناك شيئاً آخر لفتني، وهو سيطرة تفاصيل الشأن المحلي على ما عداه، حتى ولو كان هذا الأخير بحجم مأساة إنسانية مثل غزة. ثمة ضيق أفق. تصور مثلاً، أن مدوناً، وفيما اضطلعت أنظار كل النشطاء في العالم تلقي الضوء على ما يجري في غزة، راح مضيفاً تدوينة عن أنواع الطبخات. كما أن مدوناً آخر راح يتحدث عن بعض الكتابات الجدارية التي يمكن مصادفتها على أبواب ''المراحيض'' في بعض المصلحات العامة، مع تدعيم ذلك بالصور. كأنما ما يحدث في غزة يحدث في كوكب آخر غير كوكبنا. كما يمكنني أن أعزو الأمر أيضاً إلى انسحاب كثير من المدونين الجادين من عالم التدوين. لكن في المجمل، أقول إن هناك سلبية واضحة، واستهانة بالدور الذي يمكن أن تلعبه المدونات. في الأسبوع الماضي تحفظت الحكومة على منح ترخيص لأحد الاعتصامات التي كان ينوي نشطاء تنظيمها أمام إحدى السفارات العربية تحت وطأة الاعتقاد السائد أن موقفها يشجع العدوان الإسرائيلي على غزة. حسناً، ليكن ذلك، لكن ما الذي يمنع الجهر بمثل هذا الموقف من خلال الفضاء الحر الذي تتيحه المدونات. هناك بدائل متوافرة، لكن تقتلها السلبية السائدة.
حسناً، في ضوء التدوين الذي وصفته بـ ''القليل'' والذي لامس بشكل أو آخر الوضع في غزة. هل يمكن القول إنه فرز خطوطاً أو وجهات نظر مختلفة حيال ما جرى؟
- إلى حد ما، نعم. لكن أستطيع القول إن الغالبية اقتصرت على تسجيل مواقف عاطفية حيال ما يحدث. أكثر مما يمكن عدها خطوطاً أو وجهات نظر تستند إلى محمولات سياسية. أكثر المدونين عبروا عن مواقفهم من خلال التعاطف مع الشق الإنساني المتعلق بعدد الضحايا الكبير، وقد انسحب ذلك بشكل أو آخر على تأييدهم المقاومة بغض النظر عن الأيديولوجية التي تعبر عنها. ظهرت بعض التدوينات المنسجمة مع مواقف ما يعرف بـ ''دول الاعتدال'' وألقت المسؤولية على حماس، وأنها أخذت قرار المواجهة باسم الشعب الفلسطيني أو الناس البسطاء من دون أن تشاورهم، لكنها قليلة جداً. وقد تلقت ردوداً قاسية من قبل زوارها. أو ربما يعكس مثل هذا الرأي وجهة نظر مجموعة أكبر من المدونين، ولكنهم لا يملكون جرأة الجهر به. بغض النظر عن هذه التفاصيل، فإن معظم التدوينات جاءت لتصب في سياق التعاطف الإنساني مع الضحايا وكذلك مع المقاومة.
ما الذي كنت تأملين أن تضطلع به المدونات البحرينية مقارنة مع الحاصل في مجتمعات التدوين الأخرى؟
- صعبة المقارنة بين المدونات البحرينية والمدونات الأخرى. من خلال متابعتي المستمرة، وجدت أن أهم سمة تتسم بها المدونات المصرية مثلاً. وكذلك السورية، والمغربية والأردنية، هي أن هذه الأخيرة، فضلاً عن نشاطها اللافت، تعمل في إطار جماعي وتطرح مبادرات تلقى الاستجابة من بقية زملائها. هناك تكاتف نشط بين المدونين حيال قضايا يجري التوافق عليها سلفاً، ومن ثم يجري تسليط الضوء عليها جماعياً. وقد تجسد ذلك في قضايا عدة بما في ذلك قضية الساعة المتعلقة بالعدوان على غزة. هذا الأمر لا تجده في المدونات البحرينية التي تكاد فاعليتها تقتصر على الغضب العفوي، والتنفيس، ليس أكثر. إنها فردية إلى حد كبير، ومشتتة. الكل يشتغل من وحي عالمه الخاص. خلال هذه الحرب، دشن المدونون المصريون مدونة أسموها NOW IN GAZA (غزة الآن) وفتحوا المجال إلى المدونين كافة للمشاركة فيها. فتبرع البعض بالكتابة وآخرون إضافة الصور فيما تبرع البعض الآخر بعمل ترجمة فورية لمحتوياتها إلى اللغات العربية، الإنجليزية، والفرنسية. كما يجري التعاون بينهم على نطاق واسع من خلال وضع وصلات حية في مدوناتهم كلما أضاف أحدهم تدوينة جديدة في إطار الحدث. وقد راح البعض يسك مصطلحات ذات علاقة مثل مصطلح ''التدوين المقاوم'' تشجيعاً لبقية المدونين أن يحذوا حذوهم وتوحيداً لجهودهم في إطار ''رسالة'' وقضية. مثل هذا النزوع الجماعي في التدوين لن تجده عند المدونين البحرينيين. بنظري، إن المدونين المصريين يوظفون أفكاراً في الإعلام الجديد، الإنترنتي، انطلاقاً من أن الإسرائيليين أنفسهم يستخدمون الحرب الإلكترونية.
وقد قرأت أخيراً، عن اختراقهم لبعض المجموعات على نظام ''الفيس بوك'' لمجرد أنها سلطت الضوء على ما يجري في غزة. فلو أن النشر الإلكتروني لا يؤلمهم لما قاموا بمثل هذا العمل. ذلك أنهم، حتى ولو كانت كل الدنيا متواطئة معهم، حتى لو كان ذلك كذلك، فإن صورتهم هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يخسروه أمام العالم. إن ذلك هو ما نستطيع القيام به كمدونين في المجتمعات الافتراضية. فهذا إذن هو ما أتوقعه، وهذا هو الشيء الذي آسف لأننا لم نقم به حتى الساعة على صعيد التدوين البحريني.
في ضوء المتوافر، إلى أي حد استطاعت المدونات أن تعكس اتجاهات الرأي العام في البحرين حيال غزة؟
- أعتقد أنها كانت أمينة جداً. في الحقيقة، لقد صدمني مستوى التفاعل الشعبي، لم يكن مقنعاً البتة، إلا ما رحم ربي. الأمر الذي انسحب بدوره على التفاعل في العوالم الافتراضية. هناك سلبية اجتماعية على الأرض تقف في الموازاة منها سلبية ''تدوينية''. بالتالي، فإذا لم يكن هناك رأي عام ذو جدوى أو مؤثر في الأساس، فإذن ما الذي بوسع المدونات أن تعكسه. إنها اللاّجدوى نفسها.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |