صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
صافي صافي. 17 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 4:57
الشروق 6:17
الظهر 11:52
العصر 3:03
المغرب 5:27
العشاء 6:57
» اليوم الثامن
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
الشاعر شريف الشافعي صاحب مغامرة «الأعمال الكاملة لإنسان آلي»:
«نيرمانا» حقنت العقل الإلكتروني بفيروس التمرد اللذيذ
نبيل المقدم:
حضوره مثير للدهشة، ودائمًا هو صوت نفسه. أعماله الشعرية لا تمر أبدًا مرور الكرام، شأن التجارب الخصبة الكبيرة. غيابه عن الحركة الشعرية بضع سنوات، لم يكن غيابًا في حقيقة الأمر، كان ترقّبًا واحتشادًا لإطلالة مغايرة متوهجة، تأسست على اصطبار وتأنٍّ، لتضعه في موضع راقٍ يستحقه، مع قليلين جدًّا من مفجري الكلمات. هو الشاعر المصري شريف الشافعي، الذي أعاد اكتشاف نفسه، وشغل الأجواء الثقافية في مصر وخارجها، بديوانه الجديد اللافت ‘’البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية’’، وهو الجزء الأول من مشروع شعري طموح يحمل عنوان ‘’الأعمال الكاملة لإنسان آلي’’، يصدر ثاني أجزائه في وقت لاحق بعنوان ‘’غازات ضاحكة’’، والمشروع كله على لسان ‘’روبوت’’ متمرد، انطلق في دروب الحياة وفضاءات الكون كله ببسالة وحريّة، هازئا بموجات الراديو ‘’المتحكمة عن بُعدٍ في ميكانيكيته’’.
الشافعي، المغترب في الوقت الحالي بالمملكة العربية السعودية، له ثلاثة دواوين سابقة: ‘’بينهما يصدأ الوقت’’ (1994)، ‘’وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء’’ (1996)، ‘’الألوان ترتعد بشراهة’’ (1999)، صدرت عن وزارة الثقافة المصرية، ودور نشر خاصة، لكنه في ‘’البحث عن نيرمانا’’ (القاهرة، 2008) لجأ إلى النشر على نفقته للمرة الأولى، إيمانًا منه بأن محتوى التجربة غير المسبوقة، وسمتها الإخراجي المدهش، إنما يخصان ‘’الإنسان الآلي’’ في الأساس، ذلك الروبوت المبدع الفريد، المتمرد على القطيع، الرافض لقوانين البرمجة البشرية، الثائر على مستجدات عصره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا النفق المظلم، ومن ثم كان ضروريًّا أن تخرج التجربة بالصورة التي يرضى عنها الروبوت المبدع، بعيدًا عن شروط الناشرين وقيودهم! لقد تحول الشاعر هنا إلى ناشر أيضًا، ليضمن للمؤلف الحقيقي، بل الافتراضي، وهو (الإنسان الآلي)، خروج ديوانه على هذا النحو الطازج الفارق، الأمر الذي دفع بعض المحللين والنقاد إلى وصفه بأنه ‘’انقلاب أبيض في شعر العرب’’، ونقطة التقاء حميمة بين منجزات قصيدة النثر الحديثة، وإرهاصات الإبداعات الإلكترونية. مع شريف الشافعي كان هذا الحوار:
* تبدو دائمًا شاعرًا متجددًا. هل تعقد رهانك الأساسي على التطور*
ـ النماء والتطور من سمات الحياة، إذا تجردت منهما التجربة الشعرية صارت استهلاكًا لما قيل من قبل، مثلها مثل علكة ممضوغة، تظن ـ بالخطأ ـ أنها حية، رغم أنها فقدت سكرها الطبيعي. تحاول تجربتي التعطر ببارود الحياة مع كل ديوان أصدره، بل تسعى لأن تضخ هي غازاتها الخاصة، غير الخاملة، القابلة للاستنشاق ـ والاشتعال ـ في حجرات المعيشة العادية، وفي معامل التحليل النقدي لفصائل المبدعين، وفي غرف إنعاش الذائقة الشعرية.
في ‘’الأعمال الكاملة لإنسان آلي’’ تطورت تجربتي، بلا شك، ازدادت تكثيفًا وتركيزًا، وعمقًا إنسانيًّا، وبساطة في الوقت نفسه. الضرب هنا على وتر واحد، جريح، واهن، لكن الرهان معقود على حساسية اللحن، وليس على إبهاره. العازف لا يريد إثبات أنه يعزف على كل الآلات، لكنه يطمح أن تكون نغمته الجديدة سيدة الأنغام. قد أكون مشيت خطوة إلى الأمام، وقد تكون خطوات، وقد أكون صعدت درجًا عاليًا، هذا ما لا أستطيع أن أدعيه لنفسي، فقط أنا أنظر إلى كتابي، عفوًا الكتاب الذي اختطته أصابع ‘’الروبوت’’ الذكية، كأب حنون بديل (الأب الشرعي هو الإنسان الآلي)، وأراقب ردود الفعل الإيجابية التي أحدثها داخل مصر وخارجها في أسابيع قليلة، فأشعر بسعادة بالغة.
* ما الذي دفع الإنسان الآلي إلى هذه ‘’الهجمة الفنية’’ على الحياة*
ـ الحياة الحقيقية ذاتها، هي التي دفعته إلى محاولة البحث عنها، تحسُّس فيزيائها بالأصابع، واستشفاف إكسيرها بالروح، التي لم تتسرب كلها بعد. الهواء الفاسد هو الذي أجبره على فتح النافذة، حلم الخلاص من سوء التهوية، وهي قد تكون نافذة حقيقية للإطلال والاكتشاف بشكل مباشر، وقد تكون نافذة إلكترونية (Window) للبحث الإلكتروني. هذا الروبوت المبدع، المتمرد على القطيع، لم يقفز من النافذة منتحرًا، بل إن معنى الانتحار النسبي قد يصبح ‘’فرصة حياة’’، لمن هو ميتٌ أصلاً. لقد قرر الروبوت الانسحاب غير المسبوق، غير محسوب العواقب والنتائج، من هذه الغرفة الكونية المجهزة، المرتبة، الصالحة لحياة ميكانيكية الطابع، رقمية الانتظام، محسوبة الأبعاد، لكنها غرفة غير مشمسة، لا تمرح فيها الأرواح. لقد انتقل الإنسان الآلي من حياة هندسية زائفة، تساوي جوهر الموت، إلى حياة افتراضية، فوضوية، يبحث فيها عن ذاته الإنسانية المنقرضة، ويطارد فيها بحريّةٍ نيرمانا المفترضة، ذات الأسماء والتيمات المتعددة، التي يؤمن بوجودها جميعًا وحده.
* وما مبرر هذه الرحلة المضنية في هذا التوقيت تحديداً*
- لقد زادت الأمور توحشًّا فيما يخص استلاب إنسانية الإنسان، ومحو إرادته الحرة ومبادرته وقدرته على اتخاذ القرار، كذلك ترسخ منطق الاستقطاب وضرب الخصوصيات والهويات في مقتل، وإعلاء شأن الأرقام والبرمجيات وقيم التسليع والقوانين المسنونة، التي تحكم حركة البشر. الإنسان آلة مقهورة بالفعل، والقوة القاهرة أيضًا ماكينة عمياء. الاقتصاديون والسياسيون والحكماء يتخوفون من نضوب طاقات العالم، ويبحثون عن الطاقة البديلة، تلك الأضحوكة الكبرى في عالمٍ نفدت طاقته الروحية. ومن ثم، فإن الشاعر، الروبوت المبدع المتمرد على القطيع المروضين الخانعين، يبحث ـ أول ما يبحث ـ عن الطاقة، التي تأكد نفادها بالفعل: الطاقة الروحية، ذاته المنقرضة التي تآكلت، فإن عثر عليها، واصل البحث عن أشياء أخرى فيما بعد.
* لكنه عاد إلى نقطة البداية في نهاية رحلته، فكأنه لم يفعل شيئًا*!
ـ هو عاد إلى نقطة البداية حقًّا، ولم يعثر على نيرمانا، أو ذاته السرابية المنقرضة، التي كان يدرك مسبقًا أنه لن يجدها، لكنه أبدًا لم يعد حاملاً الصفر الحسابي، بل تحرر فعليًّا من كل القيود، اكتشف فردانيته وخصوصيته، تحرك ضد الإجراءات، ضد البرمجيات، خارج شروط الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة، أية قوة، ضد سيادة النظام، أي نظام. ومن ثم، فإنه تمكن من كشف ومعاينة سوءات عصره، الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، ووضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس، حيث لا مكان للفرد في معمعة سحق الجموع، وحيث تتم ممارسة كل الأمور والشرور بحساب: الاحتلال والقتل بحساب، الإنتاج والاستهلاك بحساب، المواليد الجدد بحساب، التربية والتعليم والتثقيف بحساب، العمليات الحسابية نفسها بحساب مفرط!
إن الرحلة، التي قام بها الروبوت، ربما لم تنجح إجرائيا كوسيلة لعثور الروبوت على إنسانيته المفقودة، واحتضانه المباشر لها، لكنها نجحت ضمنيا كغاية في حد ذاتها. هذا اللهاث المضني هو في حد ذاته قيمة كبرى، ودعوة للتمرد، وتجربة البديل، خصوصًا أنه لا يوجد ما يستوجب الحذر، فالحياة الآلية المتاحة هي حياة زائفة، محنطة، منتهية إكلينيكيًّا، محبوسة في غرفة كونية معقّمة، فكان الأجمل بالتأكيد أن تلوثها نيرمانا بفيروس التمرد اللذيذ. لقد حضرت نيرمانا من المجهول، لتقود صاحبنا الآلي إلى المجهول، وتدير اللعبة من الخلفية، وقد رضي الإنسان الآلي برغبات نيرمانا، دون سواها، لأنها الوحيدة التي عرفت كيف تديره من الداخل، وليس من الخارج. وهذا ما عبر عنه الروبوت بقوله:
‘’اعْتَرَضْتُ كثيرًا
على أن تُدارَ ذاتي من الخارجِ
ليس لأنني إنسانٌ حُرٌّ
ذو إرادةٍ وعقلانيّةٍ وَمُبَادَرَةٍ،
ولا لأنني مُتَرَفِّعٌ عن حَفْنِةِ دولاراتٍ،
بل لأنني كائنٌ أنانيٌّ إلى أبعدِ الحدودِ
أفضِّلُ مَصَّ أصابعي
على استعمالِها كأصابعِ ديناميت في المناجمِ
أو كأصابعِ سوسيس في المطاعمِ العالميّةِ
أو حتى كـ’’أصابعِ زينب’’ لإطعامِ أطفالِي في العيدِ/
لماذا وافقْتُ بسهولَةٍ
على أن تُدِيرَنِي نيرمانا*
ربما لأنها تَحَمَّسَتْ لإدارتِي من الداخلِ’’
* هل ترى ديوانك انتصارًا للآلة على الإنسان، أم العكس*
ـ للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر انتصارًا للآلة، فالروبوت هنا هو البطل، بالمعنى الكمي، وهو الثورة، والثائرون كلهم، إذ لم ينضم أحد إلى لوائه! لكن المنتصر في حقيقة الأمر هو الإنسان، لأن هذا الروبوت ـ ببساطة ـ هو روبوت منقلب على قوانينه وبرمجياته، شاذ عن منظومة الحياة الآلية، راغب في الارتداد إلى إنسانيته. الإنسان الغائب، الذي يبحث عنه الروبوت، هو البطل الفعلي، وليس الروبوت الحاضر، الذي يبحث عن الإنسان في صحراء الكون الشاسعة.
* كثير من الأقلام التي تناولت تجربتك احتارت في تصنيفك، فأين ترى موقعك بين أبناء جيلك*
ـ منذ بدايتي، وأنا أنتمي إلى يقين شديد الخصوصية فيما يتعلق بالأجيال الشعرية، والتصنيفات النوعية للشعراء، بل وللشعر نفسه. أنا أرفض أن أوضع في خانة بالغة الضيق تسمى ‘’جيل التسعينيات في مصر’’، لمجرد أنني أحمل بطاقة هوية مصرية، وصدر أول دواويني في تلك الحقبة الزمنية، مع أن شعري لا يتشابه مع أحد من المصريين الذين نشروا دواوينهم في تلك الفترة! وأتأفف من أن أوصف بأنني ‘’واحد’’ من شعراء قصيدة النثر في الوقت الحالي، لمجرد أنني لم أستخدم التفاعيل في ‘’الأعمال الكاملة لإنسان آلي’’، مع أنني استعملتها من قبل..، وماذا لو استعملتها في نص جديد، هل سأكون منافقًا أو صابئًا، وكيف سيتم تصنيفي وقتئذٍ*!
إن محاولة تصنيفي في إطار جيل، أو تصنيف شعري ضمن تيار، على أسس فيزيائية جامدة، أمر يصيبني بالإحباط، بل يقتل طموحي المشروع الذي لا حدود له، نحو أن أكون أنا جيلي كله، ويكون شعري هو التيار الذي أصنعه أنا، وأنتمي إليه أنا وحدي، شأن كل شاعر راوده حلم الريادة والتأسيس. ليكن غرورًا إذا شئت، ربما، لكنني لا أفهم الشاعر الحقيقي، ناهيك عن الفذ، إلا من هذا المنظور.
في القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء ـ وأنا منهم ـ مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، يطمح الشاعر إلى أن يكون صوت نفسه، وصوت الإنسان في كل مكان، خصوصًا أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة.
أنا لا أحب حتى أن أوصف بالشاعر المصري، لأنني أدعي أن النص الذي كتبه ‘’الإنسان الآلي’’ يختصر مكابدات إنسان القرن الحادي والعشرين في القارات الست، في المجتمعات المستضعفة، وحتى في بؤر القوة المهيمنة، لأن الإنسان ـ في الجانبين ـ مهزوم، وغائب، وبلا روح. ليس عيبًا أن أقول إنني جيلي، وإنني تيار الشعر الذي أحبه، وإن أبرز خصائصي أنني أسعى إلى التغريد خارج السرب، وقد دعم هذا التصور عدد من النقاد النابهين، فضلاً عن كثيرين من قراء قصائدي المنشورة ورقيًا، وإلكترونيًّا على شبكة الإنترنت.
قد أكون صادمًا في آرائي، لكنني لا أهدف إلى إقناع أحد بآرائي هذه، ولا تحقيق أي مكسب. أنا الآن أكتب فقط لأنني أريد أن أكتب، لا أريد أي شيء من أي أحد، ولا من أية جهة. كتابي الأخير نشرته على نفقتي الخاصة، وكلفني حصاد غربتي عامين كاملين، ووزعته بالمجان ـ ورقيًّا وإلكترونيًّا ـ على محبي الشعر في كل مكان. أنا أحب الشعر لأجل الشعر، وأجاهد بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة ومال لأصنع النموذج الشعري الذي يرضيني أنا وحدي، بدون أن أشبه أحدًا. وأثق بأن مائدتي، وفقًا للشواهد كلها، تتسع ـ وستزداد اتساعًا ـ لضيوفي من مشرق الأرض ومغربها، بدون أن أحتاج إلى صك غفران أو بطاقة اعتراف من حارس التفاعيل الأعظم في مصر أو من لجنة الشعر أو من موظفي وزارة الثقافة مُنّاح جوائز الدولة ومنظمي مهرجانات الشعر وأمسيات معرض القاهرة للكتاب!

* صحافي وكاتب من لبنان

 التعليقات

لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي