|
|
» أخبار وتقارير
«سبحانك حتى الطير لها أوطان.. وتعود إليها»
ما هو شكلُ الوطنْ؟
تحدق مريم إبراهيم اللوتي ذات الخمس سنوات في لوحة رسمتها تجسم عليها ''وطنها''، تقبض عليها بأصابعها الناعمة، تتحسسها بها كل حين. فكر مريم عن الوطن، حولته إلى خطوطٍ وآفاق طفولية بريئة بقلم الرصاص، كان محاولاتٍ لرسم والدها ووالدتها، وبعض من أشقائها القريبين منها سناً. هكذا تبدو ''البحرين'' لمريم: عائلتها التي تحب.
لا طعم للنار والدخان بـ ''بحرين'' مريم، الذي تقول إنها تحبه أكثر مما يجذب طفلة في عمرها، قناة الأطفال "spacetoon"، والدمية ''فلة''، لكن حين يتعلق الأمر بـ ''خالو سهام'' فإن ''البحرين'' تتساوى مع الأخيرة.
رغم أن مريم لم تتجاوز سن الخامسة، إلا أن مخيلتها لا تخلو من الوطن؛ فهو يسكننا قبل أن نسكنه، نحمله على أكتافنا كرهاً أو طواعية.
في زحام تعددية ألوان أبنائه، وزحام مدى دور تحقق واختلال معادلة الحقوق والواجبات بين المواطن والوطن، كان لـ ''$'' هذه المحاولة لتصور شكل الوطن.
شريفة علوي: الوطن والطائفة لا يفترقان
تفرق شريفة السيد عدنان علوي بين مفهوم الوطن والبلد، فتعتبر الأخير وقتي طارئ يرتاده الناس لغرض ما (العمل، الدراسة،...)، بينما الوطن هو جذورنا الأصلية الضاربة التي لا يمكن أن نستبدلها بجذور أخرى، ولا يمكننا اقتلاعها.
مع هذا فإن شريفة البالغة من العمر 14 عاماً تقر بأن الوطن والطائفة الدينية شيئان لا يفترقان، وفي المقابل، تضيف أن ''ممارسة أبناء طائفة ما لشعائر دينية تعود بالضرر على الوطن، يخرجهم من الولاء له ويدخلهم في الولاء للطائفة دونه''.
جعفر سند: الدين يدعونا لحب الوطن
ويقول جعفر محمد سند (28 عاماً) إن الوطن يتقدم على الدين والطائفة، فالدين الإسلامي يدعونا لحب الوطن، كما أن حبه جزء لا يتجزأ من الإيمان. ويذيل سند قوله هذا بتأكيده على أن الانتماء لطائفة ما بحد ذاته، لا يجيز ''للطائفيين'' حسب وصفه، أن يشككوا في ولاء المواطنين لوطنهم.
تنهد جعفر قبل أن يبين أن باب الدخول للوطن لا يكون إلا من خلال قلوب المواطنين، وذلك بتحقيق حقوقهم المشروعة بشعورهم بالأمان داخل وطنهم، وتوفير سبل العيش الكريم لهم من دون تمييز بينهم، وعلى الكفة الأخرى، بتأدية المواطنين لكامل واجباتهم تجاه وطنهم، وحين يختل ميزان إحدى الكفتين (الحقوق والواجبات) فإن المواطن لا يشعر بالانتماء الحقيقي لوطنه.
إيمان مرهون: الوطن ليس له شروط
وتختلف الإعلامية إيمان مرهون مع سند في الرأي، فالوطن بالنسبة لها ليس له حدود أو شروط، والولاء والانتماء له واجب، حتى في حالة اختلال طرف حقوق المواطن في المعادلة بين الحقوق والواجبات، رغم إشارتها للزوم تحققها، ولكونها تحقق العدالة.
وكأن إيمان مرهون هنا تؤكد لنا إيمانها بعبارة ابن عربي التي تؤكد أن ''كل حب يكون معه طلب لا يعوَّل عليه''.
مرهون لا تجاسر حتى على تخيل نفسها ''خائنة'' لوطنها ولا تقف معه، لذا آثرت رفض عرض عمل بقناة دولة قطر الشقيقة بمميزاتٍ تفوق عملها بقناة البحرين، أيام قضية جزر حوار بين البحرين وقطر.
قاسم حسين: أوطاننا مشوهة متخلفة
أما الكاتب الصحافي قاسم حسين فإنه يشبه الوطن بالوسادة التي نتوسدها، وبالأم الكبيرة التي تحتضن شعبها. ويرى قاسم أن لكل وطن حدود، لكن أقساها وأبشعها تلك التي نقيمها بين بعضنا البعض، فيعيش المواطن غريباً في بلده لا يأنس لجاره، يتوجس منه، ويفسّر كل كلمة منه على أنها ضده.
يعتصم قاسم بالصمت لبرهة من الزمن، قبل أن يتابع حديثه ويؤكد أننا فعلياً داخل الوطن، لكنه من يتوجب عليه الدخول إلينا بالعدالة والمساواة في دساتيره، وفي خدماته المقدمة للجميع. ويوضح قاسم أنه من باب المساواة في الحقوق والواجبات ينبع الولاء للوطن، والذي لن يبدأ إلا بعد تصحيح الانحرافات السياسية والعقائدية في أوطاننا المشوهة المتخلفة تجاه الآخر، الذي هو ''أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق''.
رمضان: العقود الصغيرة تُذوب المعنى الأشمل للوطن
وللمؤلف والروائي فريد رمضان مفهومه عن الوطن، إذ يقول ''الوطن يكبر معنا، ويأخذ أبعاده الخاصة عبر ثيمة الحب والحنين والنوستالجيا (الطمأنينة والاستقرار)، بمعنى انه يشكل حضوره عبر الشوق إلى مكان الأهل والأحبة، والحنين على ما مضى من زمن يحمل في طياته مكوناتنا الثقافية والاجتماعية والسوسيولوجية''.
ويتحسر رمضان على تحول بلدان ''الوطن العربي'' إلى ممتلكاتٍ خاصة لقلة من الأفراد، وعلى حال الشعوب المصابة بخلل في فهم الدين أو المذهب، خلل يجعلها تؤثر موالاة الدين أو المذهب على حساب ولائها لوطنها.
ويستطرد فريد متعجباً من حال هذه الشعوب التي يفقد الوطن مكانته الكبيرة بالنسبة إليها، ويتحول إلى مكونات صغيرة، تشكلها جماعات صغيرة تجمعها عقود أصغر، مثل عقد الدين أو المذهب أو الهوية! وتضحي الخطورة في ذوبان المعنى الأشمل للوطن، إلى المعنى المتصل بالدين والمذهب، مما يعطل نهضة الأوطان التي يعيش على أرضها هويات مختلفة!
للساسة رأيهم
النائب المستقل جاسم السعيدي يرى أن الوطن يتقدم على كل شيء، وينطلق منه كل شيء، بما في ذلك الدين والطائفة. ويختصر السعيدي الوطن بالقائد فيقول ''القائد هو الوطن، إذ لا يكون وطن من دون قيادة، والقائد هو من يحدد حدود الوطن''.
ويختصر السعيدي مرة أخرى الولاء للوطن بالنصرة والتأييد لقائده، وبالالتزام بالقوانين التي يضعها، مشبهاً المتخلف عن هذا الركب من الولاء بـ ''اليد العابثة'' بالوطن.
مرزوق: قرار الدفاع عن الوطن بيد الفقهاء
لكن النائب خليل مرزوق له مقاييس مغايرة تماماً عن مقاييس السعيدي لولاء المواطن للوطن، إذ يعتبر مرزوق أن بقاء المواطن في وطنه وتشبثه به، رغم الظروف القاسية من حرمان وعذابات يعيشها داخله، هو أكبر دليل على ولائه له وحين الامتحانات الصعبة، الحرب مثالاً. ويضيف خليل أن الولاء للوطن لا يقاس أبداً بمطالب المواطنين لحقوقهم، ويبين أنها حق مشروع للمواطن، بل أنها تعزز انتماء لوطنه.
وعن أولوية تقديم الوطن أو الدين يصرح خليل بتقديم الإسلام على الوطن في الفكر الإسلامي، وأن الدفاع عن الإسلام مقدم حتى على الدفاع عن النفس. ويستدرك قوله هذا بنفيه لأن يكون هذا التقديم متعارضاً مع الدفاع عن الوطن، معللاً ذلك بكون الدفاع عن الأوطان وحرمتها، جزءاً مما يدعو الدين الإسلامي الدفاع عنه.
وبحسب قراءة مرزوق، الناطق الرسمي باسم كتلة الوفاق التابعة للمجلس الإسلامي العلمائي، فإن من يملك قرار دعوة الجهاد الدفاعي في سبيل الوطن هم فقهاء الدين.
وعلى صعيد متصل، يرى خليل مرزوق أن الوضع الطائفي ينشط في الوضع المتدين، فهي على عكس الأوضاع البعيدة عما وصفها بـ ''القيم الإسلامية'' حيث لا يوجد اختلافات في الأصول والفروع، ولا يحس المواطن بخطر ونفوذ الآخر.
وينتقل مرزوق إلى الحديث عن دوامة الصراع الطائفي التي أصابت العالم، بعد الثورة الإسلامية في إيران، فيقول إنها أوجدت نوعا من ''الحساسية'' بين المذهبين، أثارت هلع دول الخليج العربي، من مساعي تلك القوة ''الشيعية'' لمد نفوذها داخل هذه الدول، ويوضح خليل لكننا حين نأخذ الشيعة في البحرين مثالاً، فإننا في واقع الأمر لن نجد أن لديهم فكرة إقامة دولة شيعية البتة. معيداً هذا الشحن الطائفي لتخوفات يراد منها حرمان هذه الطائفة، من مطالبها الأساسية للحياة الكريمة.
الفضالة: الوطن يحوي الفئات المتنوعة
ويختلف النائب ناصر الفضالة مع مرزوق في رأيه، إذ يشير عضو كتلة المنبر الإسلامي إلى خطورة مساعي بعض من أبناء الطائفة الشيعية في البحرين في الهيمنة على البلاد، من خلال الاستقواء بالقوى الخارجية، والمتمثلة بالجمهورية الإيرانية.
الفضالة يرجع سبب هذا الاستقواء لتركيبة البحرين السكانية، وللخلل في توزيع الثروة فيها بين أبناء الشعب. ويؤكد أن الخروج من عنق زجاجة الطائفية يتطلب توفير الوطن لأبنائه احتياجاتهم للحياة الكريمة؛ وبتوفيرها لن تستطيع أي قوى ''شيطانية من البشر'' استقطابهم وتحريضهم. ويصنف ناصر الفضالة ولاء المواطن لوطنه كأقوى أنواع ولاءات الفرد، فهو لديه أقوى من الانتماءات للفئة الدينية أو المذهبية على تنوعها، فهو يحوي كل هذه الفئات.
زينل: وطني هو وحده المكان الذي أنتمي
وتوافق الناشطة السياسية فوزية زينل بعض ما جاء به الفضالة، إذ تعتبر الوطن جامعا لكل ما يحمله وجود الإنسان على هذه الأرض. لكنها تعد الدين أشمل من الوطن، وأن مقارنته بالدين أمر غير صحيح، فالأخير بالنسبة لها أساس جوهر وجود الإنسان.
وعن مفهوم البلد والوطن تقول زينل ''إن العالم كله بلدان، ولكن وطني ''البحرين'' هو وحده المكان الذي أنتمي إليه، وأحتمي إليه، ولي عليه العطاء، وله علي حقوق''. وتضيف زينل أن الوطن حين لا يحتضن كافة أبنائه، فإنهم ''يزعلون'' عليه، لكن ترجمة هذا ''الزعل'' يجب ألا تخرج عن إطار السعي لتصحيح العلاقة بين الوطن ومواطنيه، وليس بتدمير الوطن، الذي هو يعني تدمير المواطن نفسه.
وللنشطاء الحقوقيون رأي
ينوه مدير العلاقات الإقليمية والدولية بجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان فيصل فولاذ بأن دولة القانون والمؤسسات هي باب الدخول للوطن الشامل، على أسس وطنية عادلة، يتساوى فيها الجميع، وتسمو فوق التمييز، وتتعزز فيها حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية. ويوضح فولاذ أن ذلك يتم عن طريق الأنظمة العلمانية التي تفصل الدولة عن الدين الذي يسيسه ويتاجر به البعض، مستدلاً على ذلك بنموذج الدولة العلمانية في لبنان، في ستينات القرن الماضي، حيث كان في أوج عزه.
الدرازي: صيانة الحقوق تُولد الانتماء
وللأمين العام للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان عبدالله الدرازي رأيه عن سبب اتجاه المواطن لطائفته أو قبيلته بدلاً من الوطن، فهو يعود بحسبه لشعور هذا المواطن بعدم إنصاف أجهزة الدولة، وعدم توفيرها لحقوقه. ويضيف الدرازي أن شعور الانتماء للمكان الذي يتربى وينمو فيه الإنسان، لا يكون إلا بشعوره بأن حقوقه الأساسية - التي أقرتها المواثيق الدولية، والدستور، والشرائع السماوية - فيه مصانة.
التعليقات
لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً |
عرض جميع كتاب الوقت |